الأعمدةبريق أمل

الفاشر… وهم السقوط وحقيقة الصمود

بريق أمل

هنادي عوض بشير

منذ أكثر من ثمانٍ وأربعين ساعة، تضج وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإخبارية بأحاديث متناقضة عن سقوط مدينة الفاشر، المدينة العظيمة التي صمدت أمام القهر والحصار، وبقيت شوكة في حلق من أرادوا كسر إرادة أهلها.
لم يئن مواطنوها، ولم تتراجع القوات المسلحة والقوات المساندة عن مواقعهم، رغم شراسة الحرب وضيق الحال، لكن ماكينة الشائعات لم تهدأ، وكأنها تُدار بعناية لفتح جبهةٍ جديدة لا تُستخدم فيها البنادق، بل تُستخدم فيها الكلمة والفبركة والإيحاء النفسي.

لقد أدركت المليشيات، بعد أن عجزت عن إسقاط الفاشر في أرض الواقع، أن الهزيمة العسكرية يمكن أن تُعوَّض بانتصارٍ إعلامي مزيف، فبدأت حربًا أخرى — حربًا نفسية وإعلامية هدفها تشتيت الأنظار، وبث الخوف، وزعزعة الثقة بين المواطن والجيش.
إنها معركة الوعي، حيث تتحول الشائعة إلى رصاصةٍ معنوية، تصيب الروح وتنهك الصبر، وتُحدث من الفوضى ما لا تحدثه القذائف.

لكن، رغم ضجيج الإعلام وتضليل المنصات، تبقى الفاشر رمزًا للصمود، ودرسًا في الثبات والعقيدة الوطنية.
فإن سقطت أرضًا ومباني، فلن تسقط من قلب كل سودانيٍ نزيه، ولن تُمحى من ذاكرة الوطن.
لقد صمدت لأنها آمنت أن النصر صبر ساعة، وأن ما عند الله خيرٌ وأبقى.

وحتى إن تبدلت الملامح واشتدت المحن، ستعود الفاشر إلى حضن الوطن كما عادت الخرطوم والجزيرة وسنجة وبارا  وغيرها من المدن التي مارست فيها المليشيات أبشع أنواع العنف والتنكيل.
فالوطن لا يُقاس بالأرض وحدها، بل بثبات القلوب على الحق، وبإيمانها أن الله لا يخذل الصابرين.

الحرب اليوم لم تعد فقط في الميدان، بل في العقول والنفوس أيضًا، لكن يبقى اليقين أن الحق لا يُهزم مهما ارتفعت أصوات الباطل.
فالفاشر لم تسقط، بل علمتنا كيف يكون الصمود حين يشتد البلاء، وكيف ينهض الوطن حين تظنه الهزيمة راكعًا.

اللهم احفظ الفاشر وأهلها، وكن سندًا للمقاتلين على الحق، وردّ كيد المضللين في نحورهم.
اللهم احفظ السودان من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وامنحه نصرًا يليق بصبره، وطمأنينةً تليق بقلوبٍ أنهكها الحنين إلى الأمان.
سيبقى الأمل في الله لا ينكسر، وستظل الفاشر عنوان الصمود، مهما اشتدت الحرب أو تزيّفت الأخبار.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى