
المبادرة المصرية .. الكرة في ملعب السودانيين
تأملات
جمال عنقرة
لا أزعم أني أعرف تفصيلا عن المبادرة المصرية، ولم أتحدث مع أي مسؤول مصري في شأنها، لكنني أكاد أجزم أن كثيرين من السياسيين السودانيين لم يفهموا كنه هذه المبادرة، وأخشي أن يكون بعض المصريين كذلك، وقناعتي هذه تولدت مما يتداوله كثيرون حول لقاء القاهرة المرتقب بين فرقاء السياسة السودانية، وهو كذلك أراه بغير ما يتصوره كثيرون.
المبادرة المصرية – كما فهمتها – هي مجرد دعوة للسودانيين لأخذ ملف بلدهم بأيديهم، وانتزاعه من كل الأيادي العابثة الإقليمية والدولية، وهو دعوة لأن يقبل السودانيون بعضهم بعضا، ويجلسون معا بلا تعال، ولا عزل، ولا إقصاء، ويتوافقون علي إدارة بلدهم دون شروط ولا املاءات إقليمية ولا دولية، ولقاء القاهرة الذي دعت له الحكومة المصرية، هو ليس أكثر من مجرد صافرة بداية لانطلاق حوار سودانى سودانى، شامل عفي ومعافي.
ويبدو أن البعض قد فهموا أن المبادرة المصرية هي تبديل وصي، بوصي، وظنوا أن لقاء القاهرة سيكون مثل حوارات ابوجا، وابشي، والدوحة، وجوبا، يذهب لها السياسيون، يتمرقون في الفنادق، ويتبادلون الكلمات، ثم يوقعون الاتفاقيات، ويعودون بالمكاسب والمقتنيات، فمبادرة القاهرة هي دعوة للتحرر، وليست مساع لاستعباد، ولا لاستبدال سيد بسيد، ولكن يبدو أن بعض السياسيين السودانيين، استمرأوا حالة الاستعباد، ولم يعودوا قادرين علي العيش أحرارا، ولا يفكرون في ذلك أبدا.
الحمد لله أن الموقف المصري تجاه السودان ظل واضحا، وثابتا، وأن ما قاله الزعيم الراحل الرئيس جمال عبد الناصر عام ١٩٥٤م، هو ذات ما يقول به الرئيس عبد الفتاح السيسي اليوم، “نحن مع خيار الشعب السوداني” وهذا هو موقف الحكومة المصرية، وهذا ما تدعو إليه المبادرة المصرية، فعلي السودانيين جميعا التقاط الكرة، واحراز الهدف المناسب في الوقت المناسب، ولا يوجد وقت أنسب من هذا الوقت، الذي تداعي فيه كل من هب ودب علي السودان كما تتداعي القصعة علي أكلتها، فميدان الحوار السودان وليس القاهرة، وأطراف الحوار كل مكونات الشعب السوداني السياسية وغير السياسية، التقليدية والحديثة، الإسلامية والعلمانية، اليمينية واليسارية، التقدمية والرجعية، قلب العاصمة والهوامش، واي حوار غير ذلك غير مطلوب، بل مرفوض، ولا بد أن يتصدي السودانيون جميعا لهذا الحوار، ولا ينتظرون دعوة من مصر، وليس مطلوبا، ولا شرطا السفر إلى القاهرة، ويكفي القاهرة اطلاقها لمبادرتها التي ايقظت كثيرين من الذين كانوا في غفلة عن ما يجري ويحاك ضد بلدهم، وفي تقديري الشخصي أن لقاء القاهرة لم يعد مطلوبا، وقد يكون ضرره أكثر من نفعه، ولو أن دعوة مصر شملت ألفا من محترفي السياسة في السودان، فلن يمثلوا ١٠% من أهل السودان، فليتنادي السودانيون جميعا إلى حوار داخل بلدهم، ولا أعتقد أنه لازم، أو مطلوب أن يرتبط هذا الحوار باسم المبادرة المصرية، فقط المطلوب منه تحقيق أهداف هذه المبادرة المتمثلة في تحرير القضية السودانية من الأيادي العابثة، وجمع السودانيين جميعا علي مائدة حوار واحدة لا عزل ولا استعلاء ولا إقصاء، ويكفي المبادرة المصرية أنها دقت آخر مسمار في نعش “الإطاري” الذي كان يسعي للسطو علي كل السودان، ووضعه في أيادي العملاء والمرتزقين.