
المهندس أبايزيد الشيخ الطيب يكتب:
مسارات مضيئه
(دروب الخير وجودة التقييس في شهر البركة) رمضان مبارك عليكم
مسار اليوم
إنضاج الموز كيميائيا في السودان خطر صامت يهدد سلامة الغذاء وصحة المستهلك
بقلم مهندس
ابايزيد الشيخ الطيب
خبير الجودة والتقييس
في ظل التحديات الاقتصادية وتعقيدات النقل والتخزين التي يشهدها السودان اتجه بعض المتعاملين في سوق الفواكه إلى استخدام وسائل غير آمنة لتسريع إنضاج الموز بهدف طرحه في الأسواق خلال وقت وجيز ومن بين هذه الوسائل استخدام مواد كيميائية صناعية مثل حمض الكبريتيك والكحول الصناعي وعلى رأسه الإيثانول وهي ممارسات تمثل تهديدا مباشرا لسلامة الغذاء وصحة المستهلك
الموز من الفواكه التي تواصل نضجها بعد الحصاد حيث يعتمد نضجه الطبيعي على إفراز غاز الإيثيلين الذي يحفز التحولات الحيوية داخل الثمرة مثل تحويل النشا إلى سكريات بسيطة وتحسين الطعم والقوام والرائحة غير أن التدخل باستخدام الأحماض أو المذيبات العضوية لا يؤدي إلى نضج حقيقي بل يسبب تغيرا شكليا في لون القشرة نتيجة التفاعل الكيميائي مع الأنسجة الخارجية مما يمنح الثمرة مظهرا مضللا يوحي بالنضج دون اكتمال عمليات النضج البيولوجي
تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن التعرض للمواد الكيميائية الصناعية غير المخصصة للاستخدام الغذائي قد يؤدي إلى أضرار صحية حادة ومزمنة خاصة عند دخولها إلى السلسلة الغذائية كما تؤكد منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن سلامة الغذاء ترتبط ارتباطا وثيقا بطرق التداول والتخزين والمعالجة وأن استخدام أي مواد غير مصرح بها في إنضاج الفواكه يمثل مخالفة خطيرة للممارسات الصحية السليمة
عند استخدام حمض الكبريتيك في إنضاج الموز فإنه يؤدي إلى تآكل القشرة الخارجية وتسريع اصفرارها عبر حرق الأنسجة النباتية دون إحداث تغيرات داخلية متوازنة وهو ما قد يسمح ببقاء بقايا حمضية على سطح الثمرة أو تسربها إلى اللب مما يرفع احتمالات تهيج الجهاز الهضمي والتهاب الأغشية المخاطية وتلف الخلايا المبطنة للمعدة والمريء عند الاستهلاك المتكرر
أما استخدام الكحول الصناعي في بيئة مغلقة لتسريع تغير اللون فقد يؤدي إلى تكوين مركبات وسيطة مثل الأسيتالديهيد وهو مركب تصنفه الوكالة الدولية لبحوث السرطان التابعة ل منظمة الصحة العالمية ضمن المواد ذات الخطورة المحتملة على صحة الإنسان نتيجة ارتباطه بتأثيرات سامة على الكبد والجهاز العصبي عند التعرض المزمن
وتؤكد تقارير هيئة سلامة الغذاء الأوروبية أن بقايا المذيبات والمواد الكيميائية غير الغذائية في المنتجات الطازجة قد تسهم في زيادة العبء السمي على الجسم خاصة لدى الفئات الأكثر حساسية مثل الأطفال وكبار السن مما يعزز أهمية الرقابة على الممارسات المرتبطة بإنضاج الفواكه داخل الأسواق
الموز الذي يتم إنضاجه بهذه الطرق لا يستكمل التحولات الطبيعية للنضج حيث تبقى نسبة من النشا غير المتحلل داخل اللب مما يؤثر على الطعم والقيمة الغذائية وسهولة الهضم كما قد يحتوي على بقايا كيميائية غير مرئية تشكل خطرا تراكميا على صحة المستهلك
كيف يميز المستهلك بين الموز الطبيعي والموز المنضج كيميائيا
يمكن للمستهلك ملاحظة بعض المؤشرات البسيطة التي تساعد على التمييز بين الموز الذي نضج طبيعيا والموز الذي تم تسريع إنضاجه بطرق غير سليمة فالموز الطبيعي الذي ينضج بفعل غاز الإيثيلين يكتسب لونا أصفر متجانسا وغالبا ما تظهر على قشرته نقاط بنية صغيرة مع مرور الوقت ويكون اللب طريا متماسكا وذا طعم حلو واضح نتيجة تحول النشا إلى سكريات كما تكون رائحته عطرية طبيعية
أما الموز الذي تم إنضاجه بطرق غير سليمة فقد يبدو أصفر من الخارج بسرعة بينما يبقى اللب من الداخل أكثر صلابة أو مائلا إلى اللون الفاتح المائل إلى الخضرة وغالبا ما يكون الطعم أقل حلا لأن عملية التحول الطبيعي للنشا إلى سكريات لم تكتمل كما قد يكون لون القشرة غير متجانس أو يخلو من البقع البنية الطبيعية التي تظهر عادة عند النضج الطبيعي
كما أن الموز الطبيعي ينضج تدريجيا ويحتفظ بجودته لعدة أيام بينما يميل الموز الذي تم تعجيل إنضاجه بطرق كيميائية إلى التدهور بسرعة بعد اصفراره وقد تظهر عليه بقع داكنة أو تليّن غير طبيعي خلال فترة قصيرة
إن حماية المستهلك السوداني تتطلب تفعيل الرقابة على أسواق الخضر والفاكهة وتعزيز الوعي المجتمعي بمخاطر الغش الغذائي خاصة في ظل ما يشهده الواقع المحلي من تداول غير منظم لبعض المنتجات وهو ما يجعل من سلامة الغذاء مسؤولية مشتركة تبدأ من المنتج وتمر بالتاجر ولا تنتهي عند المستهلك.