
شيء للوطن
م.صلاح غريبة
Ghariba2013@gmail.com
إن الأحداث المأساوية التي تتكشف في السودان، وتحديداً القصف المتعمد الذي نفذته مليشيات “الدعم السريع” على مستشفى الدلنج العسكري ومواقع مدنية أخرى، ليسا مجرد أخبار عابرة، بل هما جرح غائر في جسد القانون الدولي الإنساني وصرخة مدوية تكشف عن الوحشية المتصاعدة في هذا الصراع الدامي. مقتل 9 أشخاص وإصابة 17 آخرين، بمن فيهم كوادر طبية، في منشأة يفترض أن تكون ملاذًا آمنًا، يمثل نقطة سوداء لا يمكن تبريرها أو السكوت عنها.
لطالما مثلت المستشفيات والمرافق الصحية رمزًا للحياد والحماية حتى في أعتى الصراعات. إن قواعد الحرب، التي صاغتها الإنسانية عبر قرون، واضحة لا لبس فيها: يجب حماية المدنيين والمؤسسات الطبية والعاملين فيها. عندما يتم استهداف مستشفى بشكل متعمد بالقصف المدفعي، كما حدث في الدلنج، فإننا نشهد انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف. إن هذا العمل ليس مجرد خطأ عسكري، بل هو جريمة حرب مكتملة الأركان.
إن استهداف المستشفى لا يقتل المصابين الجدد فحسب، بل يشل قدرة النظام الصحي على إنقاذ حياة المصابين الآخرين والمرضى المحتاجين للعلاج الروتيني. إنه يضاعف الخسارة البشرية وبالتالي مضاعفة الماساة،ويدفع بمناطق كاملة نحو كارثة صحية لا مفر منها، بالاضافة الى تخويف الكوادر الطبية، الأطباء والممرضون الذين يضحون بأرواحهم لتقديم العون في مناطق النزاع هم أبطال يجب حمايتهم. استهدافهم هو محاولة ممنهجة لكسر شوكة الإغاثة الإنسانية وإجبار الكوادر الطبية على التوقف عن العمل، وهو ما يؤدي إلى تفاقم الأزمة.
لقد حملت “شبكة أطباء السودان” قيادة مليشيات “الدعم السريع” كامل المسؤولية عن هذه الجرائم وتداعياتها الخطيرة، وهذا الموقف هو عين الحقيقة. إن الأفعال المرتكبة هي نتيجة قرارات قيادية، ويجب محاسبة المسؤولين عنها وفقًا للقوانين الدولية. هذه ليست حوادث فردية، بل نمط من الاستهداف الممنهج للمؤسسات الصحية والمدنيين.
إن صرخة الاستغاثة التي أطلقتها شبكة الأطباء موجهة إلى المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والإنسانية لاتخاذ إجراءات عاجلة. إن الصمت الدولي في وجه مثل هذه الانتهاكات لا يعدو كونه تواطؤًا غير مباشر، ويجب على الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية ومنظمات حقوق الإنسان التحرك العاجل والضغط بشكل فوري ومكثف. وليس مجرد إدانة، بل آليات حقيقية وفعالة لضمان حماية المدنيين والمرافق الطبية، والعمل على ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق ورفع الحصار عن المناطق المنكوبة مثل ولاية جنوب كردفان.
إن ما يحدث في السودان هو تذكير مؤلم بأن الحرب لا تقتصر فقط على الجبهات العسكرية، بل هي قتال ضد الإنسانية نفسها عندما تستهدف يد الموت أولئك الذين يحاولون بث الحياة. إن قصف مستشفى هو إعلان بأن لا حرمة لمكان، ولا حماية الإنسان. يجب على العالم أن يدرك أن السماح لهذه الجرائم بالمرور دون عقاب يفتح الباب لمزيد من الفوضى والوحشية، ليس فقط في السودان، بل في أي منطقة نزاع أخرى.
إن مسؤولية الجميع، بدءًا من قيادات “الدعم السريع” وصولاً إلى المؤسسات الدولية، هي حماية أرواح المدنيين وصون كرامتهم. يجب أن تتوقف آلة القتل هذه فورًا، وأن يبدأ المساءلة الجادة.