مقالات

الموت يعتام الكرام

حصاد الألسن

عبدالله مسعود

،،،

قال طرفة بن العبد :
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي
عقيلة مال الفاحش المتشددِ
لقد صح منه القول ، إذ لنا على ذلك شواهد سبقت عهد طرفة وتلت ذلك العهد. والسؤال الذي يقض مضجعي هو: لم يسارع الكرام والمبدعون إلى مغادرة هذه الدنيا في بواكير أعمارهم؟! لماذا يموتون بالسيف أو بغيره من مرض أو تفجع أو حسرة؟! هل لأن الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها؟! هل الدنيا طاردة لأولئك دون غيرهم أم أن شهرتهم هي التي جعلتنا نركز عليهم مع أن هنالك من المشاهير من غادر الحياة الدنيا في أعمار بضة وليس بينهم وبين الكرم أو المكارم ثمة وشيجة؟!
مات الخليفة عمر بن عبدالعزيز “رضي الله عنه” وقد جاوز الأربعين بقليل بعد أن ملأ الأرض عدلاً ، إذ عمل بمثل عمل جده الفاروق عمر بن الخطاب “رضي الله عنه” الذي نصح إبنه عاصم بأن يتزوج الهلالية حين قال له “تزوجها، والله ليوشكن أن تأتي بفارس يسود العرب” فأتت بليلى التي أتت بعمر بزواجها من عبدالعزيز بن مروان بن الحكم، وقد تحقق ذلك كله فولي عمر بن عبدالعزيز الخلافة فملأ الدنيا علماً كما ملأها عدلاً حتى لقد قال عنه الإمام أحمد بن حنبل “ما أدري قول أحد من التابعين حجة إلا قول عمر بن عبدالعزيز”
من المشاهير الذين ماتوا في سن مبكرة الإسكندر الأكبر (الإسكندر المقدوني) الذي مات إثر جرح غائر عن عمر لم يجاوز الثالثة والثلاثين (٣٥٦ – ٣٢٣ ق.م). يعتبر الإسكندر المقدوني أحد عباقرة الحرب في كل العصور ، إذ تولى قيادة جيش مقدونيا وله من العمر ثمانية عشر ربيعاً وأصبح ملكاً للبلاد وهو في العشرين من العمر.
كان الإسكندر يقود الجيش بنفسه وقد فتح الكثير من أقطار آسيا. أصيب بجرح في إحدى المعارك إلا أن الجرح الذي أودى بحياته هو مقتل صديقه الجنرال هيفايستيان في إحدى الحروب فحزن عليه حزناً قضى عليه. من المسلم به أن الأسكندر كان مثلياً ذا علاقة تحتية مع الجنرال وذا علاقة فوقية مع غلام أمرد كان يصحبه معه في حله وترحاله!!
سيد درويش (فنان الشعب) هو الأسطورة المصرية في الموسيقى. ولد سيد درويش عام ١٨٩٢م وتُوفي عام ١٩٢٣م عن عمر لم يتجاوز الحادي والثلاثين. بلغ من تمجيد الناس له أن نسبوا إليه تأليف أدواره (أغانيه)، على أن أدواره لا يدل تأليفها على موهبة أدبية ولم ترتفع بها الكلمة أو تزهو. يكفي سيد درويش أن يؤلف أوبريت شهرزاد والبروكة والعشرة الطيبة وأن يلون بالموسيقى المعنى والكلمة.
لقد بلغ من مقدرته الفنية أنه لحن في شهر واحد لثلاثة مسارح: كشكش بيه – مسرح نجيب الريحاني والكسار – مسرح منيرة المهدية، في إجادة تعطي الكم هنا دلالته وقيمته. كان الشيخ درويش الحريري الذي كان أستاذاً لزكريا أحمد يسعى إلى فنان الشعب سيد درويش “مع فارق السن” ويدارسه ، بل أن سيد درويش فكر في تدوين أغانيه بالنوتة وهو تفكير لم يخطر للكثيرين.
لم يطل عهد القاهرة ، بل مصر قاطبة بهذه العبقرية الموسيقية، ففي ١٥ سبتمبر ١٩٢٣م فاضت روح سيد درويش وهو يزمع السفر إلى إيطاليا لدراسة الموسيقى. إنزوت تلك العبقرية بعد أن أعطت مصر من فيوضها نفحات من الخلد وظلت مصر تتغنى بأدوار (ياللي قوامك يعجبني – في شرع مين – أنا عشقت – أنا هويت وانتهيت) وقد أقامت مصر قاعة سيد درويش تخليداً لذكراه وفضله، ومن حين إلى آخر، تقوم دعوة إلى إحياء تراث سيد درويش وأغانيه الفردية والجماعية والمسرحية.
د. محمد عبدالحي شاعر وكاتب وناقد وأستاذ جامعي سوداني ولد في الخرطوم في ١١ ابريل ١٩٤٤م لأسرة كانت تهتم بالتعليم؛ فخاله د. سعدالدين فوزي كان اول عميد لكلية الإقتصاد بجامعة الخرطوم حين تمت سودنتها في عام ١٩٥٥م وجده لأمه إسماعيل فوزي كان يقرض الشعر. في هذا المناخ بدأ محمد عبدالحي كتابة الشعر منذ نعومة أظفاره وبلغ شأواً في ذلك الضرب “الشعر” في صباه فنهاه والده عن الإنشغال بكتابة الشعر كي لا يصرفه عن التحصيل العلمي فصار يكتب الشعر خلسة؛ إلا أن والده سمح له بكتابة الشعر بعد أن زارهم الأستاذ جمال محمد أحمد (صديق الأسرة) الذي كان يعمل سفيراً للسودان لدى لبنان وأخبرهم بأن عدداً من المثقفين اللبنانيين يسألون عن محمد عبدالحي هنالك.
إزدادت شهرة محمد عبد الحي الأدبية عند دخوله جامعة الخرطوم ورفد الصحف السودانية والمصرية واللبنانية بإنتاجه الأدبي من شعر ونثر والكتابة عموماً فبلغت شهرته الآفاق. لا شك أن كل إنتاج محمد عبدالحي الأدبي مدرسة متفردة ينهل منها طلاب العلم، إلا أن كتابه (تجليات الشعر الإنجليزي والأمريكي في الشعر العربي الرومانسي) يعتبر مرجعاً لا غنى عنه بالنسبة لدارسي الأدب المقارن والمهتمين بالشعر العربي الحديث.
تُوفي د. محمد عبدالحي لرحمة مولاه إثر مرض عضال في ٢٣ أغسطس ١٩٨٩م وهو في الخامسة والأربعين من العمر مخلفاً ولدين وبنتين من زوجته عائشة موسي السعيد العضو السابق في مجلس السيادة السوداني.
صدق طرفة حين قال: أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي..

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى