
(المولد النبوي الشريف وأثره على السلم المجتمعي في السودان في ظل الحرب الدائرة)
بقلم _أبوبكر الشريف التجاني الشريف
*بسم الله به نبتديء وبنبيه محمد صلى الله عليه وسلم نقتدي.*
مما أسعدني وأثلج صدري، وكان لي الشرف أن ألبي الدعوة الكريمة التي قدمتها لي إسناد الخيرية بمدينة نصر لحضور الاجتماع الخاص في ضوء الترتيبات والتجهيزات للاحتفال بالمولد النبوي الشريف، المقرر إقامته ببيت السودان في القاهرة.
لقد كنت مستمعًا جيدًا لكل ما طرحوه في الاجتماع من آراء ورؤية للاحتفال، ثم كنت مشاركًا برأيي الضعيف في بعض النقاط. ولكن العظيم في الأمر الذي لفت انتباهي هو المجهودات الخيرية والإنسانية والإنجازات التي قدمتها إسناد الخيرية من خلال هذه الحرب؛ مما بعث في روحي الأمل أن السودان لا يزال بخير، ولا يزال هنالك أناس في السودان مفاتيح للخير ومغاليق للشر.
ومن منطلق ما ذكرته لابد أن تبرز إسناد دور المولد النبوي الشريف وأثره الطيب على السلم المجتمعي في السودان في ظل الحرب الدائرة. ويمكن أن نرى هذا الدور في المعاني السامية في العرف السوداني العظيم، الذي يوافق الشرع بفطرته السليمة، في طريقة التعبير عن فرحة المولد النبوي الشريف. فرحة أنستهم معاناة وقساوة الحرب والخراب والدمار الذي وقع بهم.
الشاهد أن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في العرف السوداني يعني عودة الأمل والتجديد والتغيير والبشارة والفرحة بقدوم مولود جديد. المولد في وجدان الشعب السوداني السوي هو الفطرة الطيبة، وفي مضمونه لواعج الحب في روح المحتفلين به؛ إذ تعني التمسك بالأمل الحق، لا أملًا مبنيًا على أوهام وطقوس وبدع كما يعرفه بعض القاصرين الذين لا يدركون ماذا يعني الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في وجدان الشعب السوداني.
فالاحتفال بالمولد النبوي الشريف في وجدان الشعب السوداني ليس عيد ميلاد تُقدَّم فيه الورود والحلويات والتورتات وشجرة الميلاد كما نشاهده في أعياد النصارى وغيرهم. بل هو إحياء ذكرى عظيمة وحدث عظيم تفاعل معه الناس حين وقوعه ووضوعه صلى الله عليه وسلم، وهو أيضًا فرصة لتجديد العهد بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم.
ومعلوم أن محبة النبي من كمال الإيمان الموصِل إلى محبة ورضا الله، وهي الغاية الكبرى التي من أجلها بعث الله سيدنا محمدًا ليعرّفهم بربهم، ويوصلهم إلى حضرة جلاله العظمى. وهي سر الحقيقة التي ضل عنها كثير من الخلق الذين لم يُكتب لهم حظ في نور الهداية والمعرفة بالله تعالى، ليعرفوه كي يعبدوه حق عبادته، وهي الحنيفية والعبودية الخالصة لله تعالى.
فعودة الاحتفالات بالمولد النبوي الشريف في السودان بعد انقطاع دام أكثر من عامين له مدلول ومعانٍ سامية تؤكد قوة الإيمان الراسخ في قلوب أهل السودان، أنه لا يتزحزح أبدًا. وفي الحقيقة، فإن الاحتفال بالمولد عندهم حدث كوني غير كل نواميس الكون، مثل أن تشرق الشمس من الغرب – وهو حدث كوني يعني قيامة الساعة ونهاية الدنيا.
هكذا مولد النبي صلى الله عليه وسلم عندهم حدث عظيم، تفاعلت معه الطبيعة كما جاء في الأخبار والسير المحكية يوم وضوعه. لذلك فإن المولد عند أحباب النبي صلى الله عليه وسلم له معانٍ سامية تجاوزت أنه ميلاد طفل، بل عندهم مولده صلى الله عليه وسلم يحمل رموزًا وإشارات وإرهاصات وبشريات ومعجزات وآيات تنذر وتبدد الظلمات والطغيان في عالم الإنس والجن والشياطين والملائكة، بل والطبيعة كلها التي تفاعلت متزامنة مع ساعة وضوعه وخروجه إلى الدنيا. إشارة إلى أنه المخلّص والمنقذ الحقيقي للكون، وأنه ميلاد الرحمة ومولد الأنوار المحمدية: (ليخرجكم من الظلمات إلى النور).
فالاحتفال بالمولد النبوي الشريف يتعارض ويتقاطع مع ميلاد الحروب والتشريد والقتل والانقراض والإبادة الجماعية للبشرية. إنما هو يعني البشارة والهناء. هنيئًا لكل نفس اتخذت من إحياء ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم حياة لها وروحًا تجدد كل عام جديد مع إحياء هذه الذكرى العطرة.
الاحتفال بالمولد النبوي في السودان نابع من أصالة الشعب السوداني الأصيل، الممزوج بلواعج الحب الصافي النقي للنبي صلى الله عليه وسلم. لذلك جاء الاحتفال بالمولد عند أهل السودان تحمله أجنحة المحبة طليقًا حرًا، لا تراه حبيسًا في سجن الاعتقال الضيق والفكر الحبيس المغلق، باغفال التوهم الدائر حول رحى الجائز والمحرم والبدع والشرك.
الاحتفال بالمولد في وجدان وعرف أهل السودان هو الحب والوفاء والولاء للنبي صلى الله عليه وسلم، يسبح ويحلق في سماء المعاني السامية في جسد درويش نحيل، مرصع بالسبح واللالوبة، بجبته الخضراء المرقعة الملوّنة، وعلى رأسه طاقية أم قرينات، وشعره المبعثر. وأحيانًا تراه يصرخ بأعلى صوته عاجزًا أن يعبر عما يجيش بداخله، وأحيانًا تراه يُصرع على الأرض، وأحيانًا يدور حول نفسه في حلقة الذكر مع ضربه للنوبة ضربًا يبرد بها حرارة أزيز صدره المنشرح بحب النبي صلى الله عليه وسلم شوقًا إليه.
المولد عنده هو البشرى والمبشّرات التي بشر الله بها بعض الأنبياء: (فبشرناه بغلام حليم). هذا هو ديدن الأنبياء والصالحين في الدعاء والمناجاة مع الله تعالى: (هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إمامًا).
فكانت المعاني السامية للاحتفال هي البشرى للأمة المحمدية بمولده صلى الله عليه وسلم، التي أفرحت وأسعدت هذا الدرويش وجعلته يعبر عن فرحته بما تراه فيه من آيات وعجائب. وأيضًا من معاني المولد هو ولود نور الهداية والرحمة: (لقد جاءكم من الله نور وكتاب مبين).
فقد كرم الله به بني آدم وأزال به الضلال والطغيان. وهو الخليفة في الأرض: (إني جاعل في الأرض خليفة. قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء…).
*في الختام*
أهنئ نفسي وجميع من أحيا هذه الذكرى المباركة الطيبة في رحاب المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام.
*والله المستعان، والسلام على من اتبع الهدى.*