
بريق أمل
هنادي عوض بشير
في عالمٍ مثقل بالصراعات ومنهك بتزايد الأحقاد، يعود اليوم العالمي للتسامح ليذكّر البشرية بأن الرحمة والقبول هما أساس النجاة. ومهما تعددت المبادرات العالمية، يبقى الإسلام من أوائل الشرائع التي أرست مبدأ التسامح كقيمة أصيلة. فقد جاء في الحديث النبوي الشريف:
“لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.”
وهو مبدأ يُعلي من شأن المحبة والرفق والإيثار. كما قال تعالى:
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾،
وهو توجيه رباني للتعامل اللطيف مع كل الناس دون استثناء.
هذه التعاليم جعلت من التسامح قيمة راسخة في الوجدان الإنساني، وركيزة من ركائز السلام وأساسًا لبناء مجتمعات متماسكة.
ويقول أحد المفكرين:
“التسامح هو أكبر هدية يمكنك أن تمنحها لقلبك قبل أن تمنحها لغيرك.”
انطلقت فكرة اليوم العالمي للتسامح من الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي دعت إلى نشر ثقافة قبول الآخر داخل المؤسسات التعليمية والمجتمعات. وفي عام 1995 أعلنت الأمم المتحدة عام التسامح، بالتزامن مع إصدار اليونسكو إعلان المبادئ حول التسامح، الذي وضع إطارًا عالميًا يُعرّف التسامح ويعزز تنفيذه.
ومنذ الاعتماد في 16 نوفمبر 1995، أصبح هذا التاريخ مناسبة سنوية للتذكير بأهمية احترام التنوع الثقافي والديني والعرقي بين شعوب العالم.
لماذا نحتفل بهذا اليوم؟
شكّل هذا اليوم منصة عالمية لنشر الوعي بخطورة التعصب والكراهية، وضرورة تعزيز التعايش. ومن أهم أهداف اليوم العالمي للتسامح:
مواجهة العنصرية والتمييز بكل أشكاله.
تعزيز قيم التفاهم والتعايش المشترك.
دعم التعليم الذي يُرسّخ التفكير النقدي والاحترام المتبادل.
التأكيد على أن الاختلاف مصدر قوة لا مصدر صراع.
السودان… الحاجة الأكبر اليوم إلى التسامح
وفي سياق سوداني مثخن بالجراح، تبرز الحاجة الملحة إلى التسامح كقيمة إنقاذ، بعد أن كشفت الحرب الأخيرة أن غياب قبول الآخر وزرع الفتن كانا من أبرز أسباب تأجيج الصراع.
ويُقال:
“حين يغيب التسامح، يصبح الوطن مسرحًا للصراع بدلًا من أن يكون بيتًا للجميع.”
اليوم، يحتاج السودانيون إلى جرعات كبيرة من التسامح لإعادة بناء الثقة، ولملمة النسيج الاجتماعي، وفتح الطريق نحو مصالحة وطنية تُعيد للوطن روحه.
التسامح ليس ضعفًا ولا تنازلًا، بل قوة تُعيد للإنسان قلبه، وللمجتمع اتزانه، وللوطن سلامه.
إنه أول خطوة على طريق المصالحة، وهو الجسر الذي يربط بين المختلفين مهما طال الخلاف.
وفي هذا اليوم العالمي، لعلّ العالم—ولعلّ السودان خاصة—يتوقف قليلًا لاستعادة إنسانيته، وفهم أن الكراهية لا تبني وطنًا، ولكن التسامح يفعل.
وكما قال شاعر الحكمة:
“ما ضاقت أرض بالتنوع، بل ضاقت بالقلوب حين قست.”