التقارير

بعد مقطع الفيديو المتداول مناوي.. رسائل مشفرة ومكاشفات متأخرة…؟؟ ​اعترافات مناوي بتمويل الجرائم تطعن المنظومة الحاكمة بعنف ​مناوي يسعى بذكاء لتبرئة ساحته من أوزار الماضي. ​هل يبحث مناوي عن موطئ قدم بمعزل عن السقطات؟ ​محاولة مستميتة من مناوي لكسب ود العواصم الغربية عبر التمايز السياسي. ​أين كانت مواقف مناوي هذه طوال شهور حصار الفاشر؟ ​تقرير :رمضان محجوب

بعد مقطع الفيديو المتداول

مناوي.. رسائل مشفرة ومكاشفات متأخرة…؟؟

​اعترافات مناوي بتمويل الجرائم تطعن المنظومة الحاكمة بعنف

​مناوي يسعى بذكاء لتبرئة ساحته من أوزار الماضي.

​هل يبحث مناوي عن موطئ قدم بمعزل عن السقطات؟

​محاولة مستميتة من مناوي لكسب ود العواصم الغربية عبر التمايز السياسي.

​أين كانت مواقف مناوي هذه
طوال شهور حصار الفاشر؟

​تقرير :رمضان محجوب

​خلال مقطع الفيديو المتداول له اتت كلمات مني أركو مناوي، حاكم إقليم دارفور، في ظرف بالغ التعقيد والخطورة يمر به السودان، لتكشف عمق التناقضات التي تتخبط فيها قيادات المشهد الرسمي اليوم. فعندما يتجرأ مسؤول بارز ليقر جهاراً بأن خزينة الدولة وأموال المواطنين المسلوبة قد وجهت لتأسيس ورعاية تشكيلات مسلحة ولغت في جرائم الإبادة والتطهير العرقي، فنحن أمام وثيقة إدانة ناطقة تصدر من داخل اسوار السلطة ذاتها. فهذا الخطاب لا يمكن فصله بحال عن الواقع الدامي الذي يكتوي به السودان ودارفور تحديداً، ولا عن أتلانتا أو عواصم الغرب التي شهدت مؤخراً جولات ديبلوماسية مكثفة للرجل، حيث تتكشف تدريجياً خيوط التواطؤ المؤسسي العتيق الذي صنع هذه المأساة. وخروج هذه الاعترافات من شخصية تجمع صفة العسكري والسياسي في آن واحد يفتح الباب واسعاً أمام أسئلة حرجة حول طائلتها وجدواها في هذا التوقيت، وما إذا كانت تمثل مراجعة حقيقية أم مجرد ركض خلف مصالح سياسية ضيقة تفرضها رياح التحولات الإقليمية والدولية.

​▪️ توقيت بالغ الخطورة
يأتي خطاب مناوي بينما المدن السودانية تحترق وأرواح الأبرياء تزهق بلا توقف، ليغدو توقيته مستفزاً ومثيراً للعديد من علامات الاستفهام حول أولويات أهل الحكم. فبدلا عن تسخير الطاقات كلها لإنقاذ الضحايا الفارين من جحيم الموت، لاسيما الخارجين من دارفور وسط أوضاع آدمية يدمي لها القلب، تنصرف القيادات نحو اجترار سرديات التاريخ وتبادل التهم. هذا التوقيت بالذات يفضح أزمة إدارة مستحكمة لدى مسؤولين يبدو أنهم في واد ونبض الشارع المعذب في واد آخر، وكأنهم يتخذون من منابرهم تلك متنفساً للهروب من واقع العجز. فإنسان السودان الذي يفقد أهله ومأواه كل دقيقة لا تقنعه هذه المكاشفات المتأخرة بقدر ما يؤلمه أن يرى ثمار عرقه وضرائبه تحول إلى وقود لشلال الدم المدار برعاية رسمية.

​▪️ إدانة ذاتية رسمية
عبارات مناوي هذه تحمل اعترافاً قاطعاً لا تقبل التأويل بأن الدولة السودانية بمختلف عهودها ومؤسساتها هي المهندس الحقيقي والراعي الرسمي لتلك المليشيات تحت مسميات عدة بدأت بالجنجويد ولا تنتهي بحرس الحدود والدعم السريع. وحين يعترف المسؤول صراحة بأن تلك الجرائم الجسيمة قد ارتكبت بمال الدولة وقوتها الباطشة، فإنه يسدد طعنة نجلاء للمنظومة التي ما زال يتحرك في فلكها. هذا البوح المكشوف يجرد الخطاب من المسحة الديبلوماسية، ليضع الدولة برمتها في قفص الاتهام التاريخي والأخلاقي، ويجعل أي حديث إنشائي عن العدالة الانتقالية مجرد هراء ما لم يتحول إلى مسار قضائي صارم ودولي ينال من الرؤوس المدبرة التي خططت ونفذت هذا الخراب الممنهج بحق سكان القرى والمدن الآمنة.

​▪️ أزمة العدالة الانتقالية
​توقف مناوي عند ملف العدالة رافضاً تلك الحلول الشكلية الترقيعية التي لا تمس جذور الوجع، ومستحضراً اتفاق أبوجا وما تلاه من تنصل وتهميش متواصل. وهنا يكمن مربط الفرس الحقيقي وجوهر الأزمة؛ فالعدالة لدى الضحايا أبعد ما تكون عن كونها شعارات تلوكها الألسنة في المحافل العسكرية أو تسويات فوقية تبرمها النخبة على أنقاض الدم. إن غياب الإنصاف الفعلي طوال عقود مضت هو الذي خلق البيئة الحاضنة لتمدد المليشيات وشراهتها في ارتكاب أبشع جرائم التطهير. وإن محاولة القفز فوق هذه الجراح النازفة بلا التزامات واضحة لمحاسبة عتاة المجرمين وإنصاف المهمشين في دارفور وعموم الوطن تجعل أي محاولة إصلاحية مجرد صدى خاوي في فضاء التناقضات السياسية.

​▪️ رسائل في بريد
​حين يلقي المسؤول بسؤاله التوثيقي “هذا الكلام صح ولا كذب؟” مبدياً استعداده للمشنقة في سبيله، فإنه يبعث بإشارات مشفرة ومباشرة تستقر في بريد شركائه الحاليين ودوائر القرار الدولي معاً. إنه يسعى بذكاء لتبرئة ساحته وتخليص كاهله من أوزار الماضي القريب والبعيد، محاولاً إلقاء التبعة بأكملها على مؤسسات الدولة العميقة وإرث الإنقاذ الذي طالما كان أصل البلاء. هذه الرسائل تومض بوضوح نحو القوى الخارجية والمهتمين بالشأن السوداني بأن الرجل يبحث عن موطئ قدم مستقبلي بمعزل عن السقطات الاستراتيجية القاتلة التي تورطت فيها الدولة تاريخياً، في مناورة سياسية مكشوفة للبقاء على سطح الأحداث وسط أمواج عاتية.

​▪️ شبح دولة المليشيات
ويعد ​ الهجوم الضاري على فكرة دعم الدول للميليشيات أياً كانت تسمياتها يعد إدانة مبطنة لكل السياسات التي أدخلت البلاد في نفق مظلم من تعدد السلاح وتناسخ الجيوش غير النظامية. وقد أثبت التجربة المريعة أن منح الشرعية لمثل هذه التشكيلات لخدمة أغراض سياسية عابرة يمثل انتحاراً حقيقياً لفكرة الدولة الوطنية. وعندما يعلن المسؤول بوضوح رفضه لهذا المسار، فإنه يقر ضمنياً بأن خلاص السودان ووحدته مرهون بتفكيك جذري لهذه الميليشيات بلا رجعة. ورغم وجاهة الطرح، إلا أنه يظل عاجزاً وناقصاً طالما تخلف عن ترجمته بفعاليات ميدانية حاسمة تنتزع السلاح وتقطع دابر التمويل الخفي والعلني الذي يغذي استمرار الحرب.

​▪️ ظلال الجولة الأمريكية

​من غير الممكن قراءة هذا الهجوم الساخن والتصريحات الصادمة بمعزل عن محطات جولة مناوي الخارجية الأخيرة إلى الولايات المتحدة وما شهدته من لقاءات مكثفة مع دوائر نفوذ غربية. تبدو لغة الخطاب الجديدة وكأنها صدى مباشر لضغوط واشنطن وصارمة رسائلها حول جرائم الحرب وضرورة إيجاد مخرج سياسي يوقف النزيف. ومساعي ظهور مناوي بمظهر المارق على سياسات الدولة والرافض لانتهاكات الميليشيات تندرج في سياق التجاوب مع المزاج الديبلوماسي الدولي الذي ضاق ذرعاً بتبريرات السلطة المركزية. لذا فإنها محاولة مستميتة من الرجل لكسب ود العواصم الغربية ومنظمات حقوق الإنسان عبر التمايز السياسي وإلقاء التبعة كاملة على عاتق الإرث القديم.

​▪️ تداعيات كارثة الفاشر
و​تطرق مناوي بنبرة تثقلها الحرقة إلى الفاشر ومقابر شهدائها التي تمنع أي حي من النوم بمعزل عن وجعها، في لفتة تحاول ملامسة الألم الإنساني الحقيقي. غير أن المراقب الفطن لا يسعه إلا أن يتساءل عن سر تأخر هذه المواقف الحازمة طوال شهور الحصار والتنكيل التي تعرضت لها المدينة. إن توظيف دماء ضحايا الفاشر ومظلوميتها كرصيد استهلاكي في المناسبات العسكرية يثير الريبة حول جدية هذه الدموع السياسية. فالضحايا لا تسعفهم الكلمات المنمقة ولا الخطب الحماسية، بل تحميهم القرارات العسكرية على الأرض وتأمينهم من بطش تلك الميليشيات التي اعترف الرجل بصراحة أنها خرجت من رحم الدولة ومالها.

​▪️ إرث نظام الإنقاذ
​جاء ربط الأزمة الحالية بضرورة محو آثار دولة الإنقاذ كقاعدة أساسية لكل خراب أطاح بالسودان وخصوصاً ملف الميليشيات والجانجويد. ومع وجاهة هذا الربط التاريخي، إلا أنه يبدو أحياناً محاولة لتصدير المسؤولية نحو الماضي بغية تبييض ساحة الحاضر من استمرار ذات التحالفات والممارسات النفعية. إن الشارع السوداني بات أذكى من أن تنطلي عليه حيلة تقطيع أواصر المراحل؛ فالكثير من وجوه الفساد والخراب الأمني ما زالوا يمسكون بمفاتيح القرار أو يتدثرون بثياب جديدة. فإسقاط دولة الإنقاذ لا يتحقق بالخطب الحماسية فوق منصات حركات مسلحة، بل يستلزم تفكيك شبكات المصالح العميقة التي تتغذى على دمار الأقاليم واستنزاف اقتصاد البلاد.

​▪️ الدولة النموذجية المفقودة
و​ختم – الفل مارشال كما يحلو لانصاره منادته – خطابه برسم ملامح حالمة لدولة المستقبل التي تنعم بالديمقراطية والأخلاق والمساواة والحرية في التنقل والرأي وإقوات العباد. بيد أن هذه الأمنيات الورقية تصطدم بجدار الدم والبارود الذي تمثله المليشيات التي أقر بوجودها على لسانه، مما يضع المتابع في حيرة من هذا الانفصام السياسي الصارخ. كيف يرتجى الحديث عن مدنية وديمقراطية وحريات والسلاح خارج سيطرة الدولة الدستورية، وأمراء الحرب يتحكمون بأرواح الملايين؟ إن تشييد الدولة النموذجية يستوجب أولاً شجاعة المكاشفة الكاملة وتقديم استقالات لمن فشلوا في حماية مواطنيهم، بدلاً من الاكتفاء بفقاعات الكلام في فضاء معارك خاوية.

​▪️ اسدال الستار
و​تستقر هذه التصريحات عند حد كونها شهادة إدانة تاريخية مسجلة بحق منظومة الحكم المتعاقبة في السودان، لكنها في الوقت ذاته تفضح عجز القيادة عن تقديم مخرج حقيقي بعيداً عن الاستهلاك الخطابي. إن الاعتراف بأن الدولة هي الصانع والممول للمليشيات بمال الشعب يسقط الشرعية الأخلاقية عن بقاء هؤلاء في سدة الحكم بلا عدالة انتقالية جادة ومحاسبة صارمة. إن الإنسان السوداني الذي دفع وما زال يدفع ثمن هذه السياسات الرعناء من دماء أبنائه لم يعد يلتفت للكلمات المعسولة أو الاعترافات المتأخرة المستجلبة بضغط الخارج. ما لم تتحول هذه الكلمات إلى أفعال ميدانية توقف آلة القوت وتفكك معسكرات العنف وتقتص للضحايا، فستبقى مجرد هواء تذيبه رياح الحرب العبثية المستعرة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى