مقالات

بكري يوسف البر يكتب.. السودان… حين يتحول وطن عظيم الى ملف في جيب سمسار

بسم الله الرحمن الرحيم

(ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الاعلون ان كنتم مؤمنين)
[ آل عمران 139]

السودان… حين يتحول وطن عظيم الى ملف في جيب سمسار

بكري يوسف البر

لم اشعر يوما ان السوداني ينكسر، مهما ضاقت به السبل، ومهما تكسرت الطرق تحت قدميه.
لكن جاءت لحظة رأيت فيها صورة الوطن تتعرى امام العالم، حين اصبح السودان البلد الذي شق التاريخ قبل ان تخلق خرائط السياسة الحديثة، مادة في تصريحات رجل لا يرى العالم الا كعقارات قابلة للبيع. وقديما قال احمد مطر: “الناس جنسان، انس وامريكان”.

مؤلم حد العظم ان يقف سمسار عقارات، ويسند ملف بلد كامل الى صهر يتدرب على فن التفاوض فوق جراحنا المفتوحة. مؤلم ان يتحول تاريخ عمره آلاف السنين الى “مشروع تدريب” لتاجر خردة لم يسمع يوما بالامام المهدي، وعثمان دقنة، ولا يعرف ان خور ابوعنجة يعود للعصر الحجري 8000 قبل الميلاد، وان موقع مستشفى الخرطوم يرجع الى العصر الحجري 6000 قبل الميلاد، هنالك سكن انسانه في اكواخ على ضفاف النيل، ولا يدرك معنى ان تكون الارض نفسها كتابا مفتوحا من حضارة كوش الى الممالك الاسلامية.
اي انحدار هذا؟ واي زمان سمح لنا ان نبدو بهذه الوضاعة؟

الوجع الحقيقي ليس في كلمات ترامب ولا غيره.
الوجع في اننا صرنا نقدم انفسنا للعالم على طبق من الضعف.
صرنا ملعبا بين جهلة الخارج، وجهلة الداخل.
صارت بلادنا الواسعة ساحة تصفية حسابات، ومختبرا لتجارب سياسية وامنية لا تساوي عند اصحابها شربة ماء.
والادهى… ان من يسمعون تلك التصريحات من الخارج لا يرون مبالغة فيها، لان الصورة التي نظهرها لهم باتت اقرب للانفلات والانهيار منها للدولة القائمة بذاتها، دولة اصيبت بالجنون.

نحن اليوم لا نعاني من احتقار الآخرين… ولكننا نعاني من اننا قدمنا لهم كل ما يحتاجونه ليحتقرونا.
فاي دولة تحترم حين تتقاسمها الميليشيات، ويدار قرارها عبر الوسائط، وتمول حروبها من الخارج بعد نهب مواردنا، ويتحول شعبها الى نازحين، وجثث واشلاء على الطرقات، وتأكل الكلاب الضالة الجثث وتنهش لحم تاريخنا الخالد في الاباء، ويموت الاطفال، ومن لم يقتل يعيش مشوها نفسيا، يلعب بفوارغ الرصاص وبقايا مسيرات فاجرة.

واي وطن يهاب حين يختلف ابناؤه على البديهيات، ويتصارعون على الرماد بدل ان يطفئوا النار؟

وطني شقيت بشيبه و شبابه
زمن سقاك السُم من اكوابه
اسلموك الي الخراب ضحية
و اليوم هل طربوا لصوت غرابه
وطن يعبث به العدو و لا تري
عن دافع عن حوضه و رحابه
لو تطهر السودان من دخلائه
لتطهر السودان من اوشابه
لهفي علي السودان من دخلائه
لهفي علي السودان من احزابه

نحن لسنا ضحايا تصريحات ترامب…
نحن ضحايا ما فعلناه بانفسنا.
ضحية غياب المشروع الوطني الكبير الذي يلم الناس.
ضحية النخب التي لا تتفق الا على الاختلاف.
ضحية الحرب التي مسحت الهيبة ومسحت معها حدود الدولة وحلمها.

هل التي تعممت ارجلنا؟
ام الرؤوس انتعلت احذية؟
هل القميص ما نلبس ام كفن
وطن، وطن
كان لنا وطن

عالم عباس

ومع ذلك، فان السودان ليس جثة في مسلخ التاريخ.
السودان بلد عصي، حتى وهو منكسر.
بلد ان وقف على قدميه ولو مرة واحدة، سيعيد للارض وللاخرين ذاكرة الاحترام.
لكن ذلك لن يتم الا اذا وقف السودانيون وحدهم، في لحظة صدق مع النفس، وقالوا كلمتهم:
كفى عبثا… كفى احترابا… كفى اختلافا… كفى ارتهانا للخارج.

نحن لا نغضب من ترامب، ولكن نغضب لاننا سمحنا لترامب ان يتحدث عنا بهذه السخرية.
وحين نعود الى انفسنا، ونعود لبلدنا، ونبني مشروعا يليق بسوداننا…
ساعتها فقط، سيكتشف العالم ان هذا البلد الذي حسبوه هشا…
وطن محزم بالعشم… وطن ركيزة… موهوب بسنابل خيرة الدفاقة… ورغم الدروب المبهمة فهو اقوى بكثير مما يظنون، بحقه الانوف في الحياة، وكان لنا دوما متكأ انتصار، ناخذه عنوة من فك المحن والمصائب.

وطن عميق لا يموت، قد ينحني، ولكنه لا ينكسر.
وطن ندافع عنه ليس بالكلام والخصام، والتناحر على الكراسي، وتبادل الشتائم، خطاب الكراهية والعنف اللفظي، والحديث حول القضايا بعشوائية. لله در مالك بن نبي حين قال:
“لا يسمع شعب ثرثار خطى الوقت الهارب”

يا اهل السودان، رمح المصائب والزمن اصابنا في مقتل، والجرح موجع، وجعلنا فارغين، هائمين في انحاء الارض. فلننبذ الصراع، فالصراع بات بيننا حالة نفسية، بدلا من ان يكون صراع عقلاني لخلق حياة افضل لهذا الشعب الذي يستحق. فلنطهر انفسنا ونغير الكراهية الى فعل ايجابي.

حذرنا الشاعر الكبير محمد سعيد العباسي قائلا:
فلو دري القوم بالسودان اين همو
من الشعوب قضوا حزنا و اشفاقا
جهل و فقر و احزاب تعبث به
هدت قوي الصبر ارعادا و ابراقا

رجاء
اتحدوا.. اتحدوا…
اتحدوا

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى