
بين التوبة والارتياب: لماذا نُضيّق باب العودة؟
- أفكار
لميس أدهم
في كل مرة يعلن فيها أحد المنخرطين في التمرد عودته إلى صفوف الجيش السوداني، يتكرر المشهد ذاته: شك، وانتقاد، واستدعاء فوري للماضي، وكأن الحاضر لا يملك حق الوجود إلا بوصفه امتداداً لما سبق.
غير أن هذه النظرة تصطدم بمبدأ عميق في الوجدان الإسلامي، عبّر عنه حديث النبي سلي الله عليه وسلم «الإسلام يجب ما قبله». ليس بوصفه حكماً فقهياً مجرداً، بل كقاعدة أخلاقية تقوم على فكرة منح الإنسان فرصة حقيقية للبدء من جديد، متى ما كان التحول صادقاً.
التاريخ الإسلامي نفسه يقدم مثالاً واضحاً في سيرة أبو سفيان بن حرب، الذي انتقل من موقع الخصومة إلى موقع الانتماء، ولم يُحاصَر بماضيه بعد إسلامه، بل أُعيد إدماجه في المجتمع والدولة، إلى جانب كثير من النماذج الأخرى التي تعكس المعنى نفسه. لم يكن ذلك تجاهلاً للتاريخ، بل إدراكاً أن التحولات الكبرى لا يمكن أن تتم إذا ظل الماضي سيفاً مسلطاً على كل محاولة تغيير.
هذا لا يعني أن كل عودة تُمنح صك براءة، ولا أن النقد يُلغى. لكن الفارق كبير بين نقدٍ يُحاول الفهم، ونقدٍ يُغلق الباب من الأساس. فحين نرفض بقاء الأفراد في مواقع التمرد، ثم نرفض عودتهم أيضاً، فإننا عملياً نُلغي فكرة التحول نفسها.
يبقى السؤال الأهم: هل نريد فعلاً تقليص دائرة الصراع، أم أننا دون أن نشعر نُبقيها مفتوحة برفضنا لكل من يحاول الخروج منها؟
ربما ليست المشكلة في العائدين بقدر ما هي في قدرتنا نحن على قبول فكرة أن الإنسان يمكن أن يغيّر موقعه، وأن يُعيد تعريف نفسه خارج أخطاء الأمس.
يبقى الخيار بين منح التحول فرصة، أو الارتهان لشكٍ دائم. أما تحويل كل عودة إلى موضع ريبة، فلا يفتح باباً ولا يغيّر مساراً… بل يثبت الواقع كما هو، ويعطّل أن يكون غير.