مقالات

تأشيرةٌ مقابلَ هدنة.. حين سقطت أمريكا في فخِّ نفسها

محمد عثمان

لقد نصبت الإدارة الأمريكية لنفسها فخاً سياسياً ودبلوماسياً وأخلاقياً، ووقعت فيه بيد وكيلها مسعد بولس.

فحين حجبت تأشيرة الدخول عن فخامة رئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، واشترطت لمنحه حق اعتلاء منبر الأمم المتحدة أن يوقّع على هدنة التسعين يوماً لإنقاذ ما تبقى من مليشيا الجنجويد، نسيت – أو تناست – أنها هي ذاتها من وصمت هذه المليشيا يوماً بأنها منظمة إرهابية، تمارس القتل والاغتصاب والنهب والتطهير العرقي.

فأي منطق هذا؟ كيف تُصنّفها إرهاباً بالأمس، ثم تبتزّ اليوم قائد الدولة السودانية، وتمنحه تأشيرة عبور إلى نيويورك مقابل هدنة تحمي نفس الإرهاب الذي أدانته؟

إنها المفارقة الفاضحة التي عرّت واشنطن وكشفت أمام العالم أجمع ازدواجية معاييرها، فالإرهاب عندها يُدان إذا ضرب مصالحها، ويُحتضن إذا مزّق السودان.

أما الفريق البرهان، فقد كان رده بحجم الوطن. برفضه الشجاع لهذا الابتزاز الرخيص، لم يرفض هدنةً فحسب، بل رفض أن يبيع سيادة وطن وتاريخ شعب بتأشيرة.

وأثبت للعالم أنه ليس رئيساً يلهث وراء منصة خطاب في نيويورك، بل هو قائد معركة الكرامة الوطنية الكبرى، المعركة التي سيخلدها التاريخ بأحرف من نور، وسيذكرها الأبناء والأحفاد طويلاً.

إنها معركة خاضها ورفاقه من أبطال القوات المسلحة والقوات المشتركة والمستنفرين، يوم ثبتوا حين فرّ سواهم، وصمدوا حين ساوم غيرهم، وبذلوا الأرواح والدماء رخيصةً دفاعاً عن وجود السودان، وشرف نسائه، وكرامة أطفاله.

وسيذكر التاريخ أن رجلاً اسمه عبد الفتاح البرهان، حمل السودان على كتفيه في أحلك لحظاته، واختار أن يبقى بين جنوده في خنادق العزة بالفاشر والخرطوم وكردفان، على أن يسافر إلى أمريكا مثقلاً باتفاق يمنح القتلة قُبلة الحياة.

واليوم يقول الشعب السوداني كلمته مدوية، خلف قائده:

لا هدنة ولا تفاوض مع الجنجويد.. نريد حسماً لا هدنة، ونريد وطناً لا وعوداً.

فمن تلوثت يداه بدماء الأبرياء، لا مكان له في مستقبل السودان.

وسيبقى البرهان رمزاً للسيادة التي لا تُساوَم، وقائداً للكرامة التي لا تُشترى بتأشيرة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى