
تقرير إستقصائي .. منظمة CMI و مؤتمر أديس و إختراق السيادة الوطنية ..
إدريس البغدادي
في الوقت الذي يخوض فيه الشعب السوداني و قواته المسلحة معركة وجودية على الأرض ، تكتمل خلف الكواليس ملامح سيناريو دولي بالغ الخطورة ، يهدف إلى إحكام الحصار على الإرادة الوطنية و صياغة مستقبل البلاد عبر “غرف الفنادق المغلقة” في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا. هذا المخطط لا يتحرك عشوائياً ، بل ينطلق وفق جدول زمني حسمت تفاصيله “الألية الخماسية” بتمويل مباشر من الاتحاد الأوروبي و تنفيذ فني من منظمة CMI المتخصصة في هندسة الدبلوماسية الخلفية .
إن ما يُحاك اليوم في مؤتمر 3 يونيو المرتقب في أديس أبابا ، ليس مجرد جولة مشاورات عابرة ، بل هو حلقة مفصلية ضمن محاولات مستمرة لتشكيل و توجيه الحكم في السودان ، بدأت بالوصاية على حكومة الثورة ، ثم تمرير “الاتفاق الإطاري”، وصولاً إلى استغلال ظرف الحرب الراهن لفرض أجندة قوى دولية و إقليمية تتجاوز الدولة السودانية و مؤسساتها الشرعية و هو ما يستدعي تنبيهاً و تنويراً عاجلاً للشعب السوداني بما يُحاك ضد سيادته .
*أولاً : منظومة CMI .. الوجه المزدوج للإختراق الناعم ..*
تتحرك منظمة CMI ككتلة مشتركة بين كيانين نرويجي و فنلندي ، يعملان بتنسيق عالٍ لتفكيك بنية السيادة الوطنية عبر توزيع الأدوار :
الذراع البحثي الإستخباري (معهد كريستيان ميكلسن – النرويج) : مركز أبحاث تأسس عام 1930 و يتخصص في تحليل البيانات الميدانية حول الأنظمة الضريبية، الفساد، الجندر، والحركات الإسلامية في أفريقيا. و يمتلك تاريخاً ممتداً لعقود في تشريح بنيوية المجتمع السوداني تحت غطاء “دراسات التنمية” .
صانع القنوات الخلفية (منظمة CMI لفض النزاعات – فنلندا): تأسست عام 2000 على يد رئيس فنلندا الأسبق “مارتي أهتيساري”. و تتلقى تمويلها من الخارجية الفنلندية، السويد، النروج، والكتلة الأكبر من الاتحاد الأوروبي، مما يحولها من “وسيط محايد” إلى أداة تنفيذية لتمرير و استكشاف أجندات الأمن القومي الأوروبي في منطقة البحر الأحمر و القرن الأفريقي .
*ثانياً : العقيدة التشغيلية و أدوات سلب السيادة*
تنطلق CMI من فلسفة سياسية براغماتية تُعرف بـ (Inclusive Mediation – الوساطة الشاملة). هذه العقيدة لا تعترف بالسيادة القانونية للدول أو بمفهوم “الجيش الوطني الشرعي” في مواجهة المتمردين ، بل ترى أن كل من يملك بندقية و يفرض سيطرته على الأرض هو طرف مكافئ يجب أن يجلس على طاولة التفاوض .
و تتلخص تجارب وأدوات هذه المنظومة في سلب سيادة الدول عبر الآتي :
* شرعنة الميليشيات و الأطراف غير الشرعية .. تاريخ المنظمة يقوم على دمج الجماعات المتمردة في المنظومة السياسية (كما حدث في وساطتها في “آتشيه” بإندونيسيا، ورواندا، وجنوب السودان) و في الحالة السودانية تعمد إلى هندسة منصات تمنح ميليشيا الدعم السريع شرعية سياسية مساوية للقوات المسلحة، و تصنيف الحرب كـ”نزاع على السلطة” لضمان بقاء الميليشيا كلاعب أصيل في مستقبل البلاد .
* “دبلوماسية المسار الثاني” كغطاء استخباري .. تتحرك المنظمة في الفضاء الرمادي عبر لقاءات غير رسمية تتيح لها عزل النخب السياسية و القيادات الأهلية و تنظيم ورش عمل سرية لهم في عواصم أوروبية و إقليمية ، بهدف “خرق الجبهة الداخلية” و رصد خريطة الولاءات السياسية و العشائرية و تزويد المخابرات الأوروبية بها .
* صناعة “النخب التابعة” .. عبر التمويل المباشر و تغطية نفقات الإقامة، تخلق المنظمة طبقة من “السياسيين والناشطين المحترفين” الذين يدينون بوجودهم للمنظمة، ليقوموا لاحقاً بتحويل مخرجات غرفها المغلقة إلى “مطالب وطنية” في المؤتمرات الدولية .
* توجيه الحلول لصالح الممول (الاتحاد الأوروبي) .. تبحث الكتلة الأوروبية عبر CMI عن تحقيق استراتيجيتها الخاصة في السودان (وقف الهجرة غير الشرعية، تأمين البحر الأحمر، وضمان وجود سلطة مرنة في الخرطوم تتماشى مع الغرب)، وهو ما يؤدي بالتبعية إلى إضعاف الحلول الوطنية وإجهاض أي تصالح “سوداني – سوداني” نابع من الداخل دون إملاءات .
*ثالثاً : خارطة التحرك والتصعيد الدبلوماسي*
إن ما سيحدث في أديس أبابا بين الثالث والخامس من يونيو ، هو عملية تخليق سياسي متدرج تم الترتيب لها عبر حلقة “مؤتمر برلين” السابقة و تتحرك الخارطة عبر مسارين خطيرين :
1. أدوات الإختراق الإجرائي في مؤتمر (3 يونيو) :
* احتكار هندسة الحضور (الفيتو الموجه) : تستبعد المنظمة المكونات الوطنية العريضة و المساندة للجيش بدعوى “عدم إعاقة التحول المدني”، بينما تفتح الباب للواجهات السياسية للميليشيا و للدول المتورطة مثل الإمارات وإثيوبيا، لإنتاج مخرجات مسبقة الصنع .
* صياغة مسودات الحل المفخخة .. تتولى المنظمة صياغة الأوراق المرجعية بلغة دبلوماسية معقدة تمرر بنوداً خطيرة ، مثل “إعادة هيكلة القوات المسلحة بمرئيات دولية” و “فرض قوات مراقبة دولية” على الممرات الحيوية ، مما يمهد لتفكيك الدولة و تحويلها إلى كانتونات خاضعة للوصاية .
2. تكتيك “الفنادق” و صناعة الكتلة الهجينة :
* المرحلة الأولى (3 – 4 يونيو) : حشد نحو 40 شخصية سودانية تُمثل ذات الأطراف التي شاركت في برلين ، مع توسيع الدائرة لتشمل الكتلة الديمقراطية، وقوى وطنية (المؤتمر الشعبي، الحراك الوطني)، تحالف صمود، حركة عبد الواحد نور، و حزب البعث، بهدف طرح “إعلان مبادئ سياسي” جاهز و مُعد سلفاً من قِبل خبراء المنظمة .
* المرحلة الثانية (5 يونيو – اللقاء السري) .. تعمد المنظمة إلى عقد اجتماع منفصل وسري في فندق آخر بالعاصمة الإثيوبية ، يجمع “الآلية الخماسية” بـ”تحالف تأسيس” (الواجهة السياسية للميليشيا) بحضور أطراف من تحالف صمود . هذا الفصل الجغرافي هو استراتيجية خبيثة لدمج الأطراف المتناقضة خطوة بخطوة و صناعة “كتلة هجينة” تمنح الشرعية للميليشيا أمام المجتمع الدولي .
3. سيف التوقيتات و أروقة مجلس الأمن :
ينتهي هذا الحراك بمعركة دبلوماسية مقيدة بسقف زمني مرسوم بدقة للالتفاف على شرعية الدولة :
* يونيو: لقاء أديس أبابا لتمرير المبادئ .
* يوليو و أغسطس: اجتماعات تكميلية لإحكام صياغة الوثائق و تثبيت الالتزامات .
* سبتمبر (الضربة النهائية): تُرفع مخرجات هذه الاجتماعات إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي لشرعنتها دولياً و تحويلها إلى قرارات أممية ملزمة، مع استخدام سيف “العقوبات الدولية” ضد أي طرف يعرقل التنفيذ و المستهدف الحقيقي هنا هو القوات المسلحة و القوى المساندة لها ة التي ترفض المساومة على السيادة .
*رابعاً : الخلاصة و التنبيه.. منبر أديس كـ “مقصلة سياسية”*
بحضور مباشر و مراقب من قِبل “ترويكا المسار” (الولايات المتحدة بريطانيا و النرويج) و بأدوات تنفيذية ناعمة تقودها CMI، يتحول منبر أديس أبابا من مسار لحل إنساني إلى “مقصلة سياسية” صُممت لتفكيك الدولة السودانية و إعادة إنتاج الاتفاق الإطاري بصيغة دولية ملزمة .
إن اختيار الاتحاد الأوروبي لمنظمة CMI لإدارة الجانب التنفيذي لمؤتمر الخماسية يعني أن الاجتماع لن يناقش حق الدولة السودانية في بسط سيادتها و إنهاء التمرد، بل سيُدار بعقلية “هندسة التنازلات و توزيع كعكة الحكم” و إجبار المكون المدني للضغط على الجيش الوطني لتقديم تنازلات سياسية للميليشيا .
منظمة CMI ليست مجرد جهة لوجستية، بل هي “العقل الهندسي الناعم” الذي يترجم كروت الضغط الميدانية و المالية للقوى الإقليمية و الدولية إلى أطر سياسية و قانونية ملزمة ، مما يجعل دورها موجهاً بالكامل لتقويض سيادة الدولة السودانية و إخضاعها لمنطق الإملاءات الدولية و الوصاية المستدامة .