مقالات

جزء من الحقيقة (6) لوطني: مقالات بحثية تحليلية لواقع السودان (1-12)

المقال رقم 6

اسباب تخلف الدولة السودانية ؟ عدم كفاءة وفاعلية مؤسسات الدولة في تحقيق اهدافها التي انشات من اجلها
القادة والوطن (4\12)
ولدنا ضعفاء بلا قوة ولا متاع وترعرعنا في رعاية الاسرة والمجتمع وتعاركنا مع ظروف الحياة كل بشاكلته وتشكلت ذواتنا التي نحن عليها بما جبلنا لها انفسنا من افعال وسلوك فسار كل منا علي ما هو عليه الان فنحن منتوج افعالنا في ما مضي من ايامنا كذلك الامم فتاريخها يعكس صورتها الحاضرة . لكن ولدنا في وطن ولد كبيرا عزيزا قويا وغنيا في يوم 19 ديسمبر 1956 فمرت به الايام والسنين فتاكل من اطرافه وغابت عنه العزة ثم ضعف وفقر فقد مر به انقلاب عسكري بقيادة عبود بعد سنتين من ولادته ثم اكتوبر في 1964 فانقلاب مايو في 1969 فانتفاضة في 1985 ثم انقلاب في 1989 فتاكل من جنوبه في 2011 ثم ثورة شعبية في 2019 وها هو يعاني من حرب التمرد التي اندلعت في ابريل 2023 و ها هي تنهش في اطرافه فمنذ حصوله علي الاستقلال عام 1956 شهد السودان سلسلة طويلة من الانقلابات العسكرية بلغ مجملها عشرون محاولة وهذا يجعل السودان الدولة الافريقية التي شهدت اكبرعدد من المحاولات الانقلابية ويحتل السودان المرتبة الثانية عالميا من حيث عدد المحاولات الانقلابية بعد دولة بوليفيا والتي سجلت 23 محاولة انقلابية منذ 1950.
هذا تاريخه من عدم الاستقرار السياسي كعامل لبناء الدول ومن يصنع التاريخ بفخره وذله غير القادة وها هو السودان الحالي صناعة قادته العسكريين ولنا ان نتدبر في هذه الكم الهائل من الانقلابات واسبابها لنجد ان هنالك ثلااثة عوامل رئيسىة كانت ملهمة للقادة العسكريين ليقوموا بانقلاباتهم هي ضعف الانتماء والولاء الوطني للسودان كدولة وقوة الولاءات القبلية أو العرقية أو الجهوية فلم يكن لنا عقل جمعي ياخذ في الاعتبار الكل مما يمثل بيئة صالحة لكل مغامر ما دام غير متخوف من قوة وطنية موحدة يمكن ان تواجه طموحه والعامل الثاني هو ضعف كفاءة وفعالية مؤسسات الدولة فاذا كانت لنا مؤسسات برلمانية مقتدرة وقضاء قوي واحزاب سياسية ذات توجه وطني قومي لسارت حصنا ويكفي استشهادا علي هذا الضعف مقولة الراحل الشريف زين التي قالها في برلمان الديمقراطية الثالثة (الديمقراطية دي لو شالها كلب ما في زول بقول ليهو جر) زهذا يمثل حافرا مشجعا للانقلابات والعامل الثالث هو التوترات السياسة و الامنية المستمرة لعدم وجود التجانس العرقي بين مكونات السودان فالكل منشغل بذاته والوطن الكبير غائب من اجندته فيسهل اختطافه .
ولكن كثير من قادة الانقلابيين في الدول حولنا نجحوا في بناء دولهم نسبيا فلماذا نحن في السودان وصلنا للحضيض بعد 70 عاما من الاستقلال فالسودان الان يمثل مجموعة حركات مسلحة لكل اقليم وحرب تمرد طاحنة ممولة من الخارج طمعنا في موارده وهو مجروح في عزته خارحيا وغير قادرا علي السيطر علي ابناءه العاقيين يكافح بعزيمة قواته المسلحة الباسلة و الوطنيين من حولها لضمان كيانه وحدوده. وللاجابة لهذا السؤال يتحتم علينا البحث في سلوك قادة السودان عبر الحكومات التي تعاقبت علي حكم السودان لنجد ان الحقيقة الاولي انهم لم يقوموا ببناء مؤسسات قائمة علي قوانين ونظم تاطرعمل دولاب الدولة والشواهد الماثلة امامنا اليوم وافرازاتها تاكد علي هذه الحقيقة فلم نرث مؤسسات قائمة علي قوانين تستطيع تعزيز الوحد الوطنية و ادارة الموارد بكفاءة وتكافحه الفساد وترسخ سيادة القانون وتستثمر في صناعة الانسان السوداني وتضع رؤية واضحة للتنمية والاقتصاد والتعليم لاجزاء السودان المحتلفة فالفرق بين الدول الناجحة والفاشلة ليس في الموارد الطبيعية وحدها كما يري الباحثون بل في جودة القيادة وقدرتها على بناء مؤسسات قوية ومستدامة فالقائد العظيم لا يُقاس بما يحققه أثناء وجوده في السلطة فقط بل بقدرته على بناء مؤسسات تستمر في العمل بكفاءة بعد مغادرته السلطة فالقيادة تكون سبباً في تخلف الدول عندما تضعف المؤسسات التي تعمل علي حفظ المصالح العليا للبلاد .
الحقيقة الثانية بان نفس القادة انفردوا بالقرار السياسي والاقتصادي والامني للبلاد وتمركز القرار السوداني في فئة صغير واهملت المؤسسات ويمكن ان نستدل علي هذا بسرد بعد الشواهد من القرارات التي تمت اتخاذها من القادة علي مر الحكومات التي تعاقبت علي حكم السودان والتي تجاهلت المؤسسات فكان لها اثرها السالب علي السودان وشعبه . ففي عهد عبود وقّع السودان اتفاقية مياه النيل مع مصر عام 1959 مما سمح بالمضي في إنشاء السد العالي والاذي ادى إلى إغراق منطقة وادي حلفا وتهجير عشرات الآلاف من النوبيين ويذكر في هذا الصدد بان المفاوضات التي تعثرت لسنوات في العهد المدني تقدمت سريعاً بعد وصول النظام العسكري والاتفاق لم يضمن مصالح طويلة الاجل للطرف السوداني . كذلك المشاركة في حرب اليمن في الستينيات خلال حكم عبود فقد شاركت إلى جانب القوات العربية في اليمن دعماً للجمهوريين انذاك بعد ثورة 1962 وقرار المشاركة لم يستند الا علي سطة مجلس عسكري . ايضا في عهد الديمقراطية الثانية عام 1965 اتخذ البرلمان قراراً بحل الحزب الشوعي وطرد نوابه من البرلمان رغم وجود حكم قضائي بعدم دستورية القرار.
اما في عهد نميري كان قرار تاميم ومصادرة عدد كبير من البنوك والشركات الخاصة في عام 1970 ويعتبر من اسؤ القرارات التي اثرت علي الاقتصاد و ادت الي هروب رؤو الاموال وتراجع ثقة المستثمرين والقرار لم يسند لرؤية اقتصادية بل كان في مجمله تقليد لسياسة مصر في تاميم قناة السويس . إلغاء اتفاقية أديس أبابا عام 1983 ادي الي تجدد القتال في الجنوب وكذلك اعلان الاتحاد الاشتراكي تنظيما سياسيا وحيدا . كذلك قرار تطبيق قوانين سبتمبر ادي الي جدل كبير وساهم في تعقيد الصراع في جنوب السودان .اما في عهد البشير فنذكر تاسيس قوات الدعم السريع تحت امرته والمشاركة في عاصفة الصحراء دون تفويض برلماني مما كان لها الاثر السالب للسودان حربا وسمعة. في فترة الانتقالية نذكر قرارات حل واعادة تشكيل بعض المؤسسات الانتقالية من دوائر سياسية او عسكرية ضيقة و لجان التمكين التي عملت برؤيه تجاوزت كل المعايير القانون .
اما الحقيقة الثالثة لقادة السودان فانهم اتبعواالمنهجية السياسية في اختيار قيادات المؤسسات فلم يمزوا بين الدولة والحكومة فكل حكومة حكمت السودان امتلكته ادارة وموردا في غياب العقل الجمعي ووجود مؤسسات هشه يختار لها قيادتها من الموالين للحكومة مما صنع مؤسسات مطيعة تدور في فلك الحكومة . ورغم أن مفهومي الدولة والحكومة يستخدمان بالتناوب كمترادفات في كثير من الأحيان الا ان مفهوم الدولة أكثر اتساعا من الحكومة حيث أن الدولة كيان شامل يتضمن جميع مؤسسات المجال العام وكل أعضاء المجتمع بوصفهم مواطنين وهو ما يعني أن الحكومة ليست إلا جزءا من الدولة و الدولة تعبر عن الصالح العام بينما تعكس الحكومة تفضيلات حزبية وأيديولوجية معينة ترتبط بشاغلي مناصب السلطة في وقت معين. اتباع قيادة السودان عبر الحكومات المتعاقبة علي المنهجية السياسية المستندة علي الولاء والمحسوبية في اختيار قيادات مؤسسات الدولة كانت سببا في ضعف وكفاءة المؤسسات و دون الخوض في ذكر الاثار السالبة و المدمرة لهذا الامر علي المؤسسات وبالتالي علي نهضة السودان نري ان هذه المنهجية ايضا خلقت المدير المحصن البعيد من المسائلة والرقابة والتقييم فانهارت مؤسسات ناجح تدريجيا علي مسمع و مراي من الحكومات دون تدخل من قادة الحكومات في تصحيح مسارها والامثل كثيرة منها مثلا الخطوط البحرية السودانية والتي تناقصت بواخرها الستة عشرة عبر 10 عاما حتي سارت صفرا ولا حياة لمن تنادي وينطبق ذلك ايضا علي الخطوط الجوية السودانية ومشروع الجزيرة وكل هذه المشاريع وغيرها لم تجد ارادة من قادة الحكومات لتصحيح مسارها وانقاذها فلم تجد اسعافا بالرغم من ان اعراض مرضها كان طويلا .
اما الحقيقة الرابعة لقادة السودان عبر الحكومات المتعاقبة فانهم ليست لهم خطط تجيب علي السؤال الي اين ذاهبون بالسودان؟ او اين نريد ان يكون السودان بعد حين ؟ وعندما تغيب الاجابة علي هذا السؤال تصبح القرارات متفرقة وغير متكاملة مع بعضها بعض وغير منسجمة في تحقيق اهداف كلية ويكون سيد الموقف التخبط وغياب التخطيط المرحلي وتكامل ادوار المؤسسات واهدار الموارد في مشاريع غير ذات جدوي وغياب الاولويات فقرارات الدولة عبر مؤسساتها تحقق اهداف مرحلية تفضي في نهاية الامر مجتمعة الي تحقيق تطور ونماء الدولة ومثال علي ذلك اهمال السكك حديد كمرفق استراتيجي لا غني عنه لربط انحاء الدولة السودانية وتوفير نقل اقتصادي قليل التكلفة في بلد مترامي الاطراف وقد ورثناها من المستعمر وهي تعمل كالساعة وتغطي معظم السودان بل عملنا علي تفكيك اصولها في الخط الرابط بين مناطق الانتاج في والتصدير خط القضارف – بورتسودان الذي يمر بمدينة هيا . لنا ميزة اقتصادية وتنافسية في الزراعة بما اسبغ الله علينا من ارض خصبة ومياه وحفظنا مقولة السودان سلة غذاء العالم في صغرنا ولكن اليوم نحن نستقبل الاغاثات من الدول . لدينا موقع جغرافي مميز وسبعمائة كيلومتر حدود بحرية وتحيط بنا دولة مقفولة ولم ننتهز فرصتنا التي منحناها و نعتبر من اكبر الدول انتاجا للذهب في العالم وعملتنا تهوي الي القاعة باستمرار نعم لم تكن لنا رؤية واضحة او ارادة قوية لنوظف هذا الفضل و التمييز الرباني لنا .
هذه الحقائق افرزت تمركز السلطة في مجموعات صغيرة و تراجع المؤسسات وآليات الرقابة والمساءلة والولاء الشخصي بدل الكفاءة والفساد والمحسوبية وتوجيه المواردبلا تخطيط مسبق والتركيز على المكاسب السياسية قصيرة المدى وإهمال التعليم والبنية التحتية والتنمية الاقتصادية واستغلال الانتماءات القبلية أو العرقية أو الجهوية أو الدينية لتحقيق مكاسب سياسية و استخدام مؤسسات الدولة لحماية النظام السياسي بدلاً من خدمة الدولة والمواطنين . كذلك صيغ سودان اليوم من منتوج افرازات هذه الحقائق عبر ازمنة الحكم المختلفة فما مضي من تاريخه صنع حاضره واذا كان التاريخ يصنعه القادة فمن يصنع القادة يقول الفيلسوف الفرنسي منتسكيو ( كل شعب يسهم بدرجة او اخري في صناعة القادة الذبن يحكمون من خلال ثقافته ومؤسساته ومستوي وعيه ومشاركته العامة) . الشعب يمثل احدي اهم العوامل المؤثرة في نوعية القيادة التي تبرز في الدولة فالراي العام والقبول الشعبي والمزاج العام له اثره في نوعية القيادة وبقاءها والقادة يعكسون ثقافة مجتمعهم فاذا كان المجتمع يقدر النزاهة والكفاءة والمحاسبة اذدادت فرص ظهور قادة بهذه الصفات والشعوب الواعية تراقب اداء القادة مما يدفعهم الي تحسين الاداء والالتزام بالمؤسسات وعندما يطالب الشعب يسيادة القانون والمؤسسات يصبح القادة اكثر التزاما بالقرار المؤسسي واقل ميلا للحكم الفردي . فهل قام الشعب السوداني بما عليه للاسهام في صناعة قادة ملهمين يعملون لبناء وطن يحميه ويسعده ويكون فخرا له ولاحفاده من بعده ؟ ام ينطبق عينا ما جاء في الحديث الشريف (كيفما تكونوا يولي عليكم ) . والحل ان يقوم الشعب السوداني بواجبه تجاه وطنه ليكون له وطن فقد لا تسلم الجرة مرتين و الدنيا تخذ بالاسباب فلا يلهيكم ايها الشعب السوداني الامل في بروز قادة من رحم الزمن ليصنعوا لكم المعجزات فسوف يطول انتظاركم.

محمد طه عثمان ( السوداني )
خبير اقتصادي واداري وباحث
12 يونيو 2026
تفاعلكم يغذي مداد يراعنا

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى