
تأملات
جمال عنقرة
التسريبات .. وأزمة السودان الكبري
أري الناس في السودان مشغولين كثيرا هذّه الأيام بالتسريبات الأخيرة لحديث بين سياسيين حول تعديلات مزمعة في تشكيلة الحكم، وبصرف النظر عن صحة التسريبات من عدمها، فليس هذا هو المهم، المهم، بل الأهم هو الأزمة الكبري التي استشرت في كل مفاصل الدولة، الحاكمة والمحكومة، المؤيدة والمعارضة، علي حد سواء، وهي الخلاف والاختلاف الذي عم وسري في كل الأوصال والمفاصل، ويكفي خطورة الخلاف ما أشار اليه الرسول صلي الله عليه وسلم، حيث قال صلي الله عليه وسلم أن يبعث الله علي الناس عذابا من فوقهم ومن تحت ارجلهم أهون من أن يلبسهم شيعا، ويذيق بعضهم بأس بعض.
ولما أقول إن خبر التسريبات غير مهم، ليس تقليلا من شأنه، ولكن الخلافات لا تحتاج إلى تسريبات، فهي موجودة ومعلومة للجميع، والكارثة الأكبر من الخلافات هو التعاطي معها، ويعلم الناس اني كتبت قبل ذلك عن أزمة الخلافات في دوائر الحكم عددا من المقالات، إجمالا وتفصيلا، وبعضها لم يرض كثيرين، وليس ذلك مهما عندي، فأنا لا اكتب لإرضاء احد، ولكنني اكتب اتقاء فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منا خاصة.
وأهل السودان عموما، معروف عنهم عدم قبول بعضهم بعضا، بعضهم يستعلون بأوهام، ويستأثرون بما لا يستحقون، وبعضهم يظنون الحق لهم دون غيرهم، والسياسيون منهم اكثر عرضة للإصابة بهذه الأدواء اللعينة، وهم جبلوا علي الخلاف والاختلاف، ولكن عرف عنهم ايضا تجاوز خلافاتهم عند الشدائد والمحن، وهذا ما تجلي عند عموم الناس في السودان بعد كارثة حرب ال دقلو المدعومة اقليميا ودوليا، فتناسي السودانيون كل خلافاتهم واختلافاتهم ووقفوا جميعا خلف قواتهم المسلحة يدافعون عن وطنهم وارضهم وعرضهم وأموالهم وأنفسهم.
ولكن – وللأسف الشديد – فان داء الخلاف أصاب الذين كان ينبغي أن يجسدوا الترفع عن الصغائر، وانا عندما أقول ذلك لا استند علي تسريبات، ولا اسرار، ولا معلومات خفية، ولكنني اعتمد علي وقائع ثابتة ومعلومة للجميع، ولنبدأ بالأصغر اولاً.
ففي عز المعركة، والقوات المشتركة تقاتل جنبا إلى جنب مع القوات المسلحة والقوات النظامية الأخري، تتسرب معلومات غير صحيحة من دوائر حاكمة إلى إعلاميين تحت الطلب، تطعن في مصداقية قادة حركات الكفاح المسلح، وتنسب اليهم ما لم يفعلوا، ولما جاء الدكتور كامل ادريس رئيسا للوزراء أثاروا قضية مشاركة حركات الكفاح المسلح، وأوعزوا لبعض أبواقهم ليقولوا فيهم ما لم يقله مالك في الخمر.
ومن أقوال الكبار يحضرني قول الفريق أول ركن ياسر العطا عضو مجلس السيادة ومستشار القائد العام اتهم فيه اعضاء في مجلس بانهم يوالون المليشيا والقحاتة، ويحضرني كذلك حديث لسعادة الفريق أول ركن شمس الدين كباشي عضو مجلس السيادة ونائب القائد العام للقوات المسلحة وصف فيه قولا للسيد رئيس مجلس السيادة بانه عطاء من لا يملك إلى من لا يستحق، ولا اذكر ان شيئاً ظاهراً ترتب علي هذه الأقوال إلا مجرد تسريبات.
اما القشة التي قصمت ظهر البعير، فهي لقاء العاصمة البحرينية المنامة بين السيد كباشي وعبد الرحيم دقلو بوساطة اماراتية مصرية، وازمة هذا اللقاء أتت من مقترحه، بان يذهب البرهان وحميدتي، ويحل محلهما كباشي وعبد الرحيم.
وبينما يري البرهان أن كباشي جزء من هذه الصفقة، يقول كباشي انه لم يوافق عليها، ولو أن السيدين القائد العام ونائبه تواجها بالحقائق، سواء صح اعتقاد هذا او ذاك، يمكن طي هذا الملف إلى الأبد، وفي تقديري أن الفرصة لا زالت قائمة ومتاحة، ومطلوبة بإلحاح لإسكات الذين يصطادون في المياه العكرة.