
جمال عنقرة يكتب مصر والسودان .. ليس كل مرة تسلم الجرة (١)
تأملات
جمال عنقرة
مصر والسودان .. ليس كل مرة تسلم الجرة (١)
علاقتي بمصر علاقة قدرية بكل ما تحمل الكلمة من معان، فلم يكن هناك سبب موضوعي يقودني للارتباط بمصر علي هذا النحو، سوي قدر الله تعالي، وهو من الأقدار التي احمد الله عليها ليل نهار، فلولا دراسة الجامعة لما ذهبت إلى مصر أبدا، وهذه لم تكن ضمن حساباتي في يوم منّ الأيام، ولا في حسابات احد ذي صلة او معرفة بشخصي، فمنذ ان كنت طالبا في المرحلة الأولية كان الظن الراجح ان أكون من اوائل الذين يقبلون في كلية الهندسة جامعة الخرطوم ، فلم يكن يتفوق علي احد من زملاء الدراسة في ام روابة الغربية الأولية وعاصمة كردفان الثانوية العامة ، والأبيض الثانوية في مادة الرياضيات ، ولم يستعص علي حل مسالة رياضية قط، إلا ان أقدار الله، وأوهام ذاك الزمان قادتني لاختيار الأحياء بدلا عن الرياضيات التخصص طمعا في دخول الطب، ولما خذلتني حساباتي ولم أوفق في دخول طب الخرطوم ، دلني أصدقاء إلى طلبه في مصر، إلا أن اختلاف حسابات القبول في مصر عن حسابات القبول في السودان في ذاك الزمان أبعدتني عن كلية الطب وأدخلتني كلية الزراعة.
ذهبت إلى مصر علي امل ان أغير الدراسة للطب في العام التالي، وكان ذلك متاحا للسودانيين علي ايام الدكتور طلبة عويضة مدير جامعة الزقازيق له الرحمة والمغفرة، إلا ان الانسجام الذي وجدته في كفر الشيخ حيث كانت كلية الزراعة التي قبلت فيها وكانت تتبع وقتها لجامعة طنطا، وما تيسر لي فيها من مساحات فتحت امامي آفاق ارحب في الحياة العامة، جعلتني اصرف النظر تماما عن دراسة الطب، والاجتهاد لإكمال الدراسة الجامعية في أقصر وقت ممكن، طلبا لأدوار اكبر في الحياة العامة.
الاستمرار في كفر الشيخ والحياة في مجتمع الدلتا الريفي أتاح لي فرصة لمعرفة مصر والمصريين لا اعتقد انها اتيحت لكثيرين غيري، وساعد علي ذلك تمدد وتعدد أنشطتي الاجتماعية والنقابيّة والسياسية، واذكر عندما أسسنا دارا للطلاب السودانيين في كفر الشيخ، وكنت السكرتير العام للرابطة كتبت خطابا لعميد الكلية الدكتور نوفل اطلب منه السماح للطالبات السودانيات يوم كل خميس التأخير حتى الساعة العاشرة مساء للمشاركة في أنشطة الدار، فكتب معلقا (موافق .. بشرط ان يحضر معهن للداخلية الطالب جمال عنقرة)
تواصل صلاتي واتصالاتي بمصر منذ ذاك التاريخ الباكر قبل نحو نصف قرن من الزمان، وإقاماتي في مصر المتواصلة والمتقطعة، ومعرفتي باهلها من كل الصنوف، وعملي فيها في مجالات الإعلام والصحافة والطباعة والنشر والسياسة، ومرافقتي للرئيس الراحل جعفر محمد نميري له الرحمة والمغفرة، جعلت منظاري لمصر والمصريين غير مناظير كثيرين من اهلنا في السودان، والقناعة التي رسخت عندي بان السودان ومصر بلد واحد وشعب واحد، إلا ان كثيرين من اهلهم لا يدركون هذه الحقائق ، والذين يدركونها لا يعملون من اجلها، هذا الوضع جعلني امام تحد اتخذته قضية اقاتل من اجلها بلا هوادة، ولذلك اجد نفسي في كثير من الأحيان مواجه بمعارك أخوضها بلا تردد، وغالبا ما تكون مع الذين بيدهم السلطة هنا او هناك، وكثير من هؤلاء يعتقدون أنهم لمجرد ان رمت بهم الوظيفة في مقعد له صلة بالعلاقات السودانية المصرية، اصبحوا خبراء، وعلماء وأهل معرفة ودراية، ولا يرون إلا ما يرون ولا يريدون لاحد ان يري بغير مناظيرهم، واقول للتاريخ ان مثل هؤلاء في السودان اكثر منهم في مصر، ذلك ان مصر تحرص علي استقرار واستمرار الشخص في الملف الذي يعمل فيه ويحقق نجاحات، إلا ان هذا افرز مشكلات اخري، حيث ان بعض الذين يتخصصون في ملف السودان من المصريين، يتوهمون أنهم يفهمون السودان اكثر من السودانيين، وبعضهم، يزداد عندهم الوهم فيعتقدون أنهم احرص علي مصالح السودان من السودانيين انفسهم، وبسبب هذه الأوهام، وجهل وسذاجة بعض السودانيين الذين يعملون في ملف العلاقات السودانية المصرية ، وعدم استيعاب كثيرين من المسؤولين هناك وهناك لخصوصية وطبيعة العلاقات السودانية المصرية، تقع اخطاء وتجاوزات فادحة في كثير من الملفات المهمة، ولان الأمر قد بلغ مبلغا قد لا تعوض الفرصة التي تهدر، ولأنه ليس في كل مرة تسلم الجرة، قصدت ان اكتب هذه المقالات بطريقة مختلفة، اكثر جرأة وأكثر صراحة.
وحتي لا يخل التعميم لا بد ان اذكر اسماء سطعت في سموات العلاقات السودانية المصرية في مجالات الدبلوماسية والأمن والسياسة تركت بصمات لا تضاهي، من مصر السفير حسن جاد الحق، واللواء حاتم باشات، وهذان الرجلان لا يقاربهما احد من الذين عملوا في السودان من المصريين، رغم كثرة العظماء الذين خلدت اسماؤهم بجليل أعمالهم ، إلا ان جاد الحق له الرحمة والمغفرة ، وباشات مد الله في عمره وبارك فيه، لم تجد الكنانة بمثلهما، وعلي دربهما يسير صديقنا الحبيب السفير العظيم هاني صلاح.
اما علي مستوي السودان ، لا اعتقد ان احدا سوف يلومني لو اني قلت لم اجد من أضعه في ذات مقام استاذي وصديقي وابن عمي الراحل المقيم، عم احمد، السفير احمد عبد الحليم الذي كان الرئيس المصري يناديه (عم احمد) وكان بينه وبين الرئيس مبارك تواصل مباشر، لهما الرحمة والمغفرة.
ونواصل باذن الله تعالي