حديث السبت يوسف عبد المنان ابن عمر الغياب والحضور في دفتر الوطن السلطة حينما يغيب أهل النظر ويحضر الفعل
حديث السبت
يوسف عبد المنان
ابن عمر الغياب والحضور في دفتر الوطن
السلطة حينما يغيب أهل النظر ويحضر الفعل
(1)
غيّب الموت الأسبوع الماضي علماً من أعلام السودان وقُبر بعيداً عن تراب ألفه وعاش فيه بروحه وجسده وتلك أحكام الرزايا وقحط سنوات الحرب التي ضربت قلب الوطن فاعتل الجسد وتساقطت الأطراف التي كانت في حروب سابقات هي مسرح الصراع بيد أن متغيّرات الحرب جعلت الخرطوم هي قلب ورأس العمليات العسكرية بعد أن كانت مسرح الصراع السياسي،
بكت الحروف وناحت الكلمات وذرفت الأسطر الدموع على الرحيل الفاجع لشيخ سبعيني وبروح الثلاثينات عاش ملء السمع والبصر وتحت الانواء وبين جدران السجون وكان فارس الكلمة حينما كانت الكلمة سلاحاً ورجل منابر قبل أن تجدب المنابر ويعلو على كل شيء السلاح ولد ابن عمر مرتين مثل كل الناس حينما شهق الشهقت الأولى وهو يخرج طفلاً بين أحضان أمه وأبيه وتلك ولادة سائر البشر وولد حينما وطات أقدامه جامعة الخرطوم في سبعينات القرن الماضي فتى يجمع بين نداوة الحضر ونضارة البادية من ديار الريح أو أرض السافل شق ابن عمر المنتمي لقبيلة الدواليب ولا يذكر الدواليب إلا وحضر الطبيب الذي يكتب الشعر كما يكتب الوصفات العلاجية لمرضى الباطنية السر دوليب وقصة ابن عمر وهجرته من حلفاية الملوك الي حمرة الوز في أقاصي دار الريح تتطابق ورحلة الشاعر الذي وصفه الأستاذ عبدالقادر أبوهاله بأنه أشعر شعراء السودان فهل من يرد على شهادة عالم من علماء اللغة في الناصر قريب الله غشية قبره شابيب الرحمة فقد كان ابن عمر محمد مثله في ربط عرى الشمال النيلي بكردفان الغرا تتبع الناصر قريب الله الصيد البري والصيد البشري في وهاد وأرض السافل في أم بادر التي كان يترحل إليها من حي العرب بأم درمان ليمتع نفسه بجمال الطبيعة وحرية الإنسان في فضاء تمرح فيه الإبل وقطعان (أم تقدم) والغزلان،
حينما تخطف التيار الإسلامي ابن عمر محمد أحمد كان الجدل في جامعة الخرطوم مابين العلمانية والإسلام ولكن حيوية المجتمع في السبعينات تفتح منابر الثقافة للجدال داخل المدرسة الإسلامية مابين الإصلاح والتجديد والموروث الفقهي القديم ومطلوبات العصر والحداثة وكانت الثورة الشعرية في جامعة الخرطوم تمشي الي جوار الثورة الفكرية ويتغني ابن عمر في ليله ونهاره بأدب المقاومة التي قهرتها هزيمة حزيران يونيو فصار لساناً
يردّد في هزيع الليل الأخير
ياوطني الفارق في دمائه
يا أيها المطعون في إبائه
مدينة مدينة
نافذة نافذة
غمامة غمامة
حمامة حمامة
مئذنة مئذنة
أخاف أن أُقرئك السلام
يسافر الخنجر في عروبتي يسافر
والحنجر في رجولتي
هل هذه هزيمة قطرية
أم هزيمة قومية
في مناخات مابعد الهزيمة العربية والتيار الناصري والقوميين العرب وخيانة بلجيكا لثوار الكنغو ومقتل باتريس لوممبا نهض التيار الإسلامي في السوداني بعد أن تخلّص من عبئ التنظيم الدولي وقيود حركة الإخوان في مصر وسودنة الترابي لحركة الإسلام
ادهش ابن عمر محمد أحمد طلاب جامعة الجزائر حينما أُقيم مهرجان هناك وبلسان بدوي
ارتجت له الجزائر العاصمة قرأ ابن عمر شعراً
قال ياقدس يامدينة الأحزان
يادمعة كبيرة تجول في الأجفان
من يوقف العدوان عليك
يالؤلؤة الأديان
من يغسل الدماء من حجارة الجدران
من ينقذ الإنجيل
ومن ينقذ القرآن
(2)
جاءت عاصفة سقوط نظام جعفر نميري لتنهض الجبهة الإسلامية القوميه على أكتاف الشعب السوداني الذي منحها كل دوائر الخريجين باستثناء دائرة واحدة فاز فيها جوزيف أوكيلو من الحزب الشيوعي من دوائر الجنوب التي جاء منها على تميم فرتاك وجاء منقو أجاك ولكن أكبر انقلاب شهدته الجبهة الإسلامية كان خروجها المعلن من حيز المثقفين وخريجي الجامعات وطبقة الموظفين والأطباء إلى رحاب ثقة الشعب في دوائر كانت تشكل مركز ثقل لحزب الأمة والاتحادي الديمقراطي وذلك المتغيّر في الحراك السياسي انتبه له الإمام الصادق المهدي باكراً وفكر وقدر وكتب نهضة الصحوة الإسلامية ولكن الجبهة الإسلامية باغتته بفوز أحمد صالح صلوحة في دائرة المجلد وفوز ابن عمر محمد احمد بدائرة حمرة الوز حيث تقاسم دوائر دار الريح الإسلاميين والأنصار الحزب الاتحادي الديمقراطي الذي فاز النائب صالح التوم بالدائرة الغربية ودكتور فضل الله على فضل الله عن حزب الأمة بدائرة سودري وفاز ابن عمر بدائرة حمرة الوز والبكري الجيلي الكباشي بدائرة جبرة ومن غرائب المواقف أن كل هؤلاء النواب وقفوا داخل الجمعية التأسيسة مع قوانين الشريعة الاسلاميه وخالف صالح التوم ودكتور فضل علي فضل مواقف أحزابهم وفي تلك الظروف والامتحانات العسيرة بين الالتزام الحزبي والالتزام السلوكي والقيمي والأخلاق وقف البروفسير الشيخ جعفر ووزير الإعلام عبدالله محمد أحمد مع قوانين الشريعة وكلاهما حزب الأمة مقربين من الصادق المهدي الذي كان حينها سيداً ولم يرتقي لمرتبة الإمام لأن جرح الأمة لم يجف بعد بمقتل الإمام الهادي في الكرمك التي تسلّلت لعمق التاريخ وقد دخلت الحركة الشعبية بدعم من منغستو هيلا مريام لتبسط الحركة الشعبية بقيادة قرنق سيطرتها على الكرمك وحينها كان ابن عمر في ميدان المعركة مع القوات المسلحة لدحر التمرد وطار الميرغني لعاصمة العراق بغداد وجاء بالزخيرة والسلاح وكان الجيش وقتها يعاني من نقص السلاح وحتى الاحزية وهتف الاتحاديين يوم تحرير الكرمك حرّرت الكرمك ياابوهاشم بينما كان ابن عمر في مرمى النيران وسط الجنوب وصحيفة الراية أوفدت ابن جبال النوبة موسى علي سليمان وسراج الدين عبدالغفار لتغطية أخبار المعارك ومنح ابن عمر البدوي الرعوي عمقا شعبياً لتنظيم الجبهة الاسلاميه التي انتقلت بعد الانتخابات بعدد ٥١ مقعداً في البرلمان حزب صفوة إلى حزب جماهيري صوتت له الجماهير في طوكر بشرق السودان وانتخب الشيخ موسى حسين ضرار نائباً في الجمعية التأسيسية مثله أحمد علي الإمام من دائرة دنقلا وكان ابن عمر في البرلمان رجل مواقف وصرامة في الدفاع عن الشريعة الإسلامية التي زج بها في المعترك السياسي من غير تدبّر وأصبحت مكان مزايدات بدلاً من رفعها فوق الصراعات.
(3)
حينما جاءت حقبة الإنقاذ بالتغيير الذي قاده التيار الإسلامي الذي أطلق عليه ثورة عند أنصاره وانقلاب عند خصومه تم إبعاد ابن عمر محمد أحمد من واجهات المركز إلى ركن قصي وعُيّن مساعداً لوالي شمال كردفان وأُسند له مشروع درء الجفاف والتصحر وحينها تبدّت موهبة الرجل في التفكير العميق جداً في كيفية إعادة الغطاء النباتي لصحراء دار الريح وهي الأرض التي تمتد من الأبيض شمالا حتى وادي الملك وحدود دارفور غرباً وفكّر الرجل في إعادة الغطاء النباتي بنثر بزور شجرة السيال بعد دراسة خصائص هذه الشجرة التي تقاوم التصحّر وقلة المياه ولها ثمار غنية جداً بالبروتين وهي غذاء للماعز والإبل والضأن وتم التخطيط لحفر ٤٠٠ دونكي في شمال كردفان ولم يبقى ابن عمر طويلاً في منصبه وغادره ولكن بقي أثره التخطيطي بعيد المدى حتى جاءت حقبة دكتور فيصل حسن ابراهيم وهو من مدرسة الفعل وتم حفر الآبار ونثر بذور شجر السيال والقرض وتغيّرت ملامح الأرض وغطي الشجر الأرض اليباب وانتقل ابن عمر للحقل الدبلوماسي وذهب ملحقاً في إيران وتأمل الرجل عميقاً في الثورة الإيرانية وقرأ الفكر الشيعي وتاريخ الدولة الإسلامية والصراعات التي أدت للارتدادات في الخلافة الأموية وعصبية القبيلة وثورة العباسيين ولكن ابن عمر بعد إبعاده من الجهاز التنفيذي الوظيفي أو ابتعاده رتع في مضارب الصفوة من تيار الفكر الإسلامي الإصلاحي ،وبات بيته في الخرطوم شرق ضاحية بري قبلة يرتادها من ضاقت به عباءة التنظيم ومن لفظه صناع القرار الذين ضاقوا بأمثال عبدالوهاب الأفندي الذي كان ملحقاً إعلامياً في السفارة السودانية في لندن لكنه يكتب بما يمليه عليه ضميره وينتقد بعض الممارسات فكان نصيبه الأبعاد ليكتب عن الثورة والإصلاح السياسي وتطاله الاتهامات لجهره بما يومن به الذي قد يكون صحيحاَ أو خطأ لكنه خروج من دائرة الاستتباع الي الجهر بالهمس وفقدت الحركة الإسلامية في مرحلة الحكم عقلها المدبر واثرت أن تحكم بتنظميين بدلا عن أهل النظر أمثال أبن عمر محمد أحمد والدكتور التجاني عبدالقادر حامد ودكتور محمد محجوب هارون والتجاني أبوجديري وجمال الدين شريف ويعقوب الفجو والطيب زين العابدين ودكتور سيف الدين محمد أحمد والاستثناء الوحيد الذي مكث سنوات في دهاليز السلطة امين حسن عمر ربما من يصنع القرار في السلطة حينها قد اهتدى لنظرية عبدالرحمن ابن خلدون الذي قال (العلماء والمفكرين لا شان لهم بالسلطة والحكم لأنهم يحملون الأمة فوق طاقتها) ولكن هل من يصنع القرار في الدولة كان يتأمل في نظرية ابن خلدون؟.
أصبحت دار ابن عمر قبل عاصفة الانقسام الذي ضرب عمق الحركة الإسلامية وبعده ملاذ ومتكأ لكل من تحدّثه أشواقه لرؤية مشروع جمال الدين الأفغاني حلماً يراود خياله وكل من كان ينظر لقادة الإنقاذ بأنهم تلاميذ للأمام محمد عبدالله تلميذ الافعاني وابن عمر يجلس في طرف المجلس حافي القدمين وحافي الرأس ولا يمكث إلا بضع دقائق ويشعل سيجارته وتنداح دوائر الدخان لتشكل لوحة في المجلس الذي أغلب من يرتادونه يصومون الخميس والاثنين حتى سقطت الانقاذ من داخلها قبل أن ينهال عليها عسكرا صنعتهم في ليل اساها وحيرتها ولم يزرف ابن عمر دمعة على سلطة ماكانت تمثل اشواقه التي غبرت ولا أحلامه التي سرقت
يرحل ابن عمر بعد أيام معدودة من دخول الجيش والمشتركة حمرة الوز والرجل كان يعض على شفتيه حسرة على ماحدث للسودان وأهل السودان وحياة ابن عمر كلها ترحال من مكان لآخر وكلها متاعب وصعاب وجهاد في سبيل قضية آمن بها ولكن السؤال لماذا هذا العمق الشعبي الذي يجعل راعيا من بادية الكبابيش يقطع ٥٠٠ كيلو مترا من عديد راح الي ام درمان وفي يده خروف للشيخ الكباشي في شمال بحري وخروف آخر للخليفة ابن في ضاحية بري هدية لرجلين أحدهما موصول بطريق صوفي وآخر موصولا بإصلاح سياسي وحباً في ذلك الرجل الذي كان وقته مابين الأفراح والاتراح ومجالس الأنس وقضاء حوائج الناس يبكي السودان ابن عمر
وغاب عنا رجل من طينة رجال انتهت طبعتهم الأخيرة ونفدوا من الأسواق
الخليفة ابن عمر سامحنا في التقصير كما يقول الشيخ عبدالرحيم البرعي.