
حول اللقاء التنويري لحاكم إقليم دارفور
تعليق وتحليل : بدر الدين العتَّاق
اولاً ، تنبيه
إنَّ شخص سعادة حاكم إقليم دارفور معالي السيد / مني اركو مناوي، هو محل حبي واحترامي وتقديري لأبعد الحدود، ولكن فكرة حركة العدل والمساواة في شخصه هي محل أخذ ورد بلا شك، وعليه يكون تعليقي وتحليلي من هذا المنطلق.
ثانياً ، حول اللقاء التنويري
أقيم ببيت السودان بحي السيدة زينب لقاءً تنويرياً من سعادة حاكم إقليم دارفور / مني أركو مناوي، وحضره عدد مقدر من خيرة رجالات السياسة والاقتصاد والصحافة والإعلام والمفكرين وأصحاب المصلحة الوطنية والمهتمين بالشأن العام السوداني بلغوا حوالي مائة شخص تقريباً، ويمكن تلخيص اللقاء التــــــــــنويري على النحو التالي :
١ / دخل السيد حاكم إقليم دارفور إلى قاعة بيت السودان وهو مستاء متغير الوجه وكأنَّه غريب على هذا المجتمع الذي دعا إليه هو.
٢ / لم يقف الحاضرون تحية له في تمثيله لجمهورية السودان واعتباره حاكماً عاماً لأهم أقاليم السودان – خلاف العبد لله – ولم يقم بعزف النشيد الوطني استشعاراً بهيبة الدولة وسيادة القانون وعملاً بالبروتوكولات لمثل تلك المناسبات الوطنية، وربما فات على الجهة المنظمة إدارياً أن تقوم به، حين حيَّاهم بصورة طبيعية وقعد على كرسيه .
٣ / إنَّ أكبر خطأ استراتيجي قامت به حركة العدل والمساواة السودانية جناح مناوي هو قبولهم للمنصب التشريفي السلطوي وتعيينه حاكماً عاماً على الإقليم لأنَّ المرحلة الحالية لا تقبل السلطة التشريفية مكتفة الايادي بل تطلب وبشدة العمل التنفيذي المباشر الذي له الأثر على الواقع.
٤ / حدَّثنا الحاكم العام بما يجري على الساحة السياسية الداخلية والخارجية وأسباب قيام حرب ابريل نيسان ٢٠٢٣ وقال : إنَّ جميع المؤشرات كانت تدل على قيام الحرب بمساعدة أياد خارجية وأنَ الوضع سينفجر عسكرياً ، لكنه لم يحدثنا عن دوره الفاعل ودور حركته في عدم قيام الحرب على أقل تقدير عندما كان ذاهباً إلى دارفور احصاءه لعدد من المركبات القتالية أنَّ عليها ما يقارب الألفين مقاتل كلهم يهتفون ( كل القوة ، الخرطوم جوَّه ) وحمَّل استخبارات الجيش مسؤولية الحذر منها ، وبطبيعة السؤال إذا فرضنا أنَّ استخبارات الجيش لم تفعل شيء ولم ترفع أي تقرير للقيادة العليا ما هو دوره أو دور استخبارات الحركة في عدم تبليغهم أو توقيفهم وهو لديه سلطة ونفوذ ؟ الله أعلم أي ذلك كام .
٥ / اتضح لي – والله أعلم – أنَّ سعادة الحاكم لا يحمل مشروعاً سياسياً متكاملاً يقود به السودان نحو الأمام بقدر ما له نقاط محددة يدور حولها مثل : التدخلات الخارجية، العوامل الإنسانية، التحديات الداخلية، التماويل المالية، الاتفاقات الموقعة للسلام سابقاً إلخ.
٦ / لم أر أو لعلَّه لم يطرح سيادته برنامجه الانتخابي أو رؤيته المستقبلية الوطنية نحو البناء والتنمية المستدامة التي تغير شكل الإقليم جوهرياً والسودان بالعموم ـو قل : ربما لم يكن الوقت مناسباً لذلك، لكنه من خلال تعرضه للنقاط السابقة توقعت أن يتطرق لها.
٧ / معالي الحاكم كثيراً ما يردد المواقف الشخصية بينه والآخرين ولكنه ضنين بمخرجات تلك المقابلات مما يعطي إشارة بأنَّه يقوم بواجبه لكن دون نتيجة إيجابية تذكر خصماً على الواقع المرير الذي يتعرض له الإقليم ويمر به السودان في حرب الكرامة حالياً .
٨ / يحسب له بلا شك أن ليس من أدبيات الحركة فصل إقليم دارفور عن السودان بل هو يكرر بإصرار بوجوب وحدة البلاد وحمايتها من أعداء الداخل والخارج وأن يظل الإقليم جزء لا يتجزأ من حدود السودان الجغرافية.
٩ / يؤكد سيادته أيضاً حتمية تماسك الجبهة الداخلية ويراهن عليها في مقابل التدخل السافر من القوة المحلية والإقليمية والدولية.
١٠ / لم يخل الخطاب من مغازلة الدعم السريع مع رفض ما يعرف بـــــــ ” الحكومة الموازية ” أو حكومة تأسيس ، المكوَّنة مؤخراً من بعض قيادات قحت والدعم السريع.
١١ / كانت مخاطبة سعادة الفريق إبراهيم ألماظ ، القيادي بحركة العدل والمساواة ، أشد حماساً من غيرها من الكلمات وكان يدافع عن ” القوات المشتركة ” بضراوة ويؤكد في ذات الوقت استنهاض التجنيد والتعبئة والاستنفار للشباب والدفاع عن البلاد ووحدتها.
الفريق إبراهيم ألماظ ، له رؤية سياسية جيدة ، ولها أبعادها الاستراتيجية الإيجابية التي تدعم قضية السلام والاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني والعسكري ، لكن ، موقعه القيادي في الجانب العسكري لا يسمح له بصورة ما ، من تفعيل هذه الرؤية الجيدة وحبذا لو اتاحت له الدوائر المعنية تنفيذ فكرته ورؤيته تجاه القضايا المتعلقة بالأمن القومي العام وسلام دارفور.
١٢ / الدكتور عثمان محمد يوسف كبر / رئيس إلا شبر ، كما يلقب به / نائب رئيس الجمهورية سابقاً ، تكلم عن ثلاث محاور هي : القضايا الملحة مثل : فك الحصار عن دارفور والفاشر تحديداً ، والقضايا المهمة مثل : تدفق المساعدات الإنسانية وفتح ممرات آمنة لها ، والقضايا الخطيرة مثل : التدخلات الخارجية في قضايا السودان ذات الصلة.
١٣ / طرح معالي الدكتور كبر ، مبادرته حول السلام الشامل لإقليم دارفور وعموم السودان بينما أكد وشدد هو ومعالي حاكم عام إقليم دارفور على رفض فصل الإقليم محل النزاع كما يروج له البعض ويؤكد على ضرورة التكاتف والتعاون الشعبي والرسمي للحفاظ على وحدة البلاد وسيادتها وفرض هيبة الدولة.
١٤ / خلط معالي الدكتور كبر ، بين تاريخية انضمام إقليم دارفور سنة ١٩١٦ تحت قيادة السلطان علي دينار الذي أثبتته الكثير من المراجع التاريخية مثل كتاب ( جغرافية وتاريخ السودان ) للكاتب نعوم شقير طبعة سنة ١٩٠٣ ، لبقية أقاليم السودان وبين الدور السياسي المستغل منذ ذلك الحين إلى الآن في رؤية العالم الخارجي لفصل الإقليم ، وهنا ليس موضعه من المغالطات أو الشروح كما أرى.
١٥ / سعادة المحافظ الأسبق بإقليم كردفان أحمد صالح صلوحة ، يرى ضرورة نقل عمل وصلاحيات مكتب حاكم عام إقليم دارفور إلى مدينة الأبيض حاضرة ولاية شمال كردفان ليكون في موضع الحدث ، الأمر الذي أكده ونفاه في ذات الوقت السيد مني اركو مناوي عند معرض حديثه للتعقيب على المداخلات ، بينما أكد ألماظ وجود المكتب والقوات المشتركة أصلاً في مناطق العمليات العسكرية في كل أقاليم السودان.
ثالثاً ، مخرجات اللقاء التنويري
أمَّن الجميع بمختلف كياناتهم وانتماءاتهم السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والحزبية على الآتي :
١ / وحدة البلاد وسيادتها وفرض هيبة الدولة بالقانون ورفض أي تقاطعات أو تدخلات ذات مصالح دولية أو محلية أو إقليمية في الشأن الداخلي السوداني للعمل على تمزيق وحدتها وبالتحديد فصل إقليم دارفور عن جغرافية السودان.
٢ / حتمية تماسك الجبهة الداخلية ، وتكثيف العمل السياسي ورتق النسيج الاجتماعي وتبديد ومنع خطاب الكراهية والجهوية والمناطقية والعنصرية .
٣ / ضرورة التخلي عن الانتماءات الحزبية والسياسية الضيقة والتوجه نحو السلام والاستقرار والتنمية المستدامة واستتباب الأمن القومي في كل البلاد وأن يكون الجميع تحت مظلة المواطنة .
٤ / استفتاء الشعب السوداني حول هيكلة الدولة بما فيها الجيش والقوات المشتركة وبقية القوات النظامية المساندة للقوات المسلحة السودانية .
٥ / استكتاب الحضور من ذوي الخبرات والتجارب في كل المجالات الحياتية ذات الصلة حول كيفية حكم السودان / راجع كتابي ” نظام الحكم في السودان ” طبعة سنة ٢٠٢٤ / هل يكون فدرالي أم برلماني أم خلافه ، بينما أقترح أنا على الجهات المعنية وبالتحديد حركة العدل والمساواة الجهة المنظمة للقاء التنويري ، أن يكون نظام الحكم في السودان : جمهورية فدرالية اشتراكية ديمقراطية .
رابعاً ، رؤية خاصة
1 / يتحمل وزر الحرب طرفي النزاع وكذلك الجهات السياسية وأي متعاون أو مضلع بواسطة تطبيق القانون على من تثبت عليه الإدانة .
2 / الاستعداد للانتخابات القادمة على كل المستويات.
3 / تنازل مناوي عن المنصب المشار إليه .
4 / العمل على تحويل الحركة من حركة مسلحة إلى حزب سياسي .
5 / الإجماع على رفض الحكومة الموازية من قبل الجميع والجلوس لمفاوضات ومن ثم الاستعداد للانتخابات القادمة.
6 / ينطبق هذا التعليق على كل الحركات المسلحة خارج اتفاق سلام جوبا وداخله.
خامساً ، مقترحات حول التنوير
١ / العمل المباشر لتحويل الحركة، من حركة مسلحة إلى حزب سياسي.
٢ / رفض أو التنازل أو الاستقالة أو خلافه، عن المنصب التشريفي بأسرع وقت ممكن.
٣ / منصب ( حاكم إقليم دارفور ) هو منصب فضفاض ووهمي وخاوي المحتوى ولا يعدو أن يكون استهبالاً سياسياً – وأعتذر عن هذه الكلمة – ويجب الانتباه إلى مجريات الحياة على أرض الواقع وبالتحديد إقليم دارفور بصورة مغايرة .
٤ / توسيع دائرة الانتماء السياسي لحزب الحركة من كل الخبرات والتجارب الحياتية وحقنه من كل أصناف الطيف السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والإعلامي وهلم جرا.
٥ / أن يمنح إقليم دارفور حكماً إقليمياً ذاتياً بأسرع وقت ممكن للضرورة القصوى، وكذلك بقية الأقاليم / راجع كتابي ” نظام الحكم في السودان ” / أحد استراتيجيات السلام المجتمعي والتنمية المستدامة وما أشبه.
٦ / الإسراع بعملية الدمج والتسريح واعادة الدمج بالنسبة لقوات الحركة الذين يقاتلون الآن جنباً إلى جنب مع القوات المسلحة السودانية، وتنفيذاً لاتفاق سلام جوبا ٢٠٢٠.
٧ / وضع خطة إسعافيه لما بعد تحرير الفاشر وفك الحصار المفروض عليها من البناء والتنمية المستدامة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة والخدمية وخلافه، لعودة الحياة إلى طبيعتها ما أمكن.
٨ / الإسراع بتوصيل المساعدات الإنسانية إلى المتضررين.
٩ / إعادة النازحين واللاجئين إلى ديارهم وإغلاق جميع معسكرات اللجوء في المنافي والدول المجاورة وداخل السودان.
١٠ / التعويضات وجبر الضرر، بالنسبة للمتأثرين بالحرب والوضع المعيشي السيء الذي عانوا منه أشد المعاناة.
سادساً ، للمزيد من التفاصيل والمراجع
لمزيد من التفاصيل حول الموضوع الأصلي والتعليق عليه يمكن الرجوع إلى كتبي الآتية
١ / نظام الحكم في السودان.
٢ / السودان الجديد – مشروع البناء الوطني.
٣ / مستقبل الثقافة في السودان.
٤ / ثورة الإنقاذ الوطني، الإخفاقات والإنجازات ١٩٨٩ – ٢٠١٩.
٥ / هذه الورقة واليوتيوب .