
. حيدر البدري.. يكتب في.. نقطة سطر جديد. … لا للمليشيات.. ولا لابتزاز الدولة باسم البندقية!.
د. حيدر البدري.. يكتب في..
نقطة سطر جديد.
…
لا للمليشيات.. ولا لابتزاز الدولة باسم البندقية!.
….
ليست المشكلة في أن يرفض مني أركو مناوي إنشاء مليشيات جديدة؛ فهذه قضية يتفق عليها كل من يريد للسودان أن يخرج من نفق الحرب إلى رحاب الدولة. المشكلة في أن يتحول رفض المليشيات إلى تهديد بالتمرد على الدولة نفسها، وكأن البلاد التي تنزف منذ أبريل 2023 ينقصها أن تفتح جبهة جديدة داخل معسكرها.
في تصريحات متداولة يوم 7 أكتوبر، لوّح حاكم إقليم دارفور بالتمرد إذا استمرت الدولة في إنشاء تشكيلات مسلحة جديدة أو دعمها، قبل أن يوضح لاحقاً أنه يرفض المليشيات، وأن تجربة الدعم السريع يجب أن تكون الأخيرة. وهنا ينبغي التفريق بين جوهر الموقف، الذي يستحق النقاش الجاد، واللغة التي صيغ بها، وما يمكن أن تثيره من مخاوف سياسية وعسكرية.
كلمة «التمرد» ليست تفصيلاً لغوياً عابراً. الدولة لا تُصحَّح أخطاؤها بالتهديد بالخروج عليها، وإنما بإعمال القانون، ومساءلة المسؤولين، وإخضاع كل قوة مسلحة لسلطة وطنية واحدة. فإذا كان المقصود حماية السودان من إعادة إنتاج المليشيات، فهذه قضية وطنية لا ينبغي أن تكون رهينةً لتهديدات أي قائد، مهما كان تاريخه أو حجم قواته أو موقعه في معادلة الحرب.
ثم إن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا الآن؟ وهل جاء التصريح معزولاً عن الجدل الدائر بشأن تشكيلات عسكرية جديدة، وما أثير حول «درع الغرب» وانضمام قيادات منشقة من الدعم السريع إلى الجيش؟ لقد ربطت تقارير صحفية بين هذا الجدل ومخاوف من إعادة ترتيب موازين القوى داخل المعسكر الذي يقاتل الدعم السريع. لكن الربط لا يكفي وحده لإثبات أن ذلك هو الدافع الحقيقي لمناوي، وهو أمر يحتاج إلى توضيح صريح منه.
المبدأ الذي لا يقبل المساومة هو: لا للمليشيات، قديمةً كانت أم جديدة، في الشمال أو الغرب أو الشرق أو الجنوب. لا يجوز أن نرفض قوة مسلحة لأنها تحمل اسم الدعم السريع، ثم نتسامح مع أخرى لأنها ترتدي اسماً جغرافياً أو قبلياً أو سياسياً جذاباً. ولا ينبغي أن تتحول «الدروع» إلى مظلات تمنح التشكيلات المسلحة شرعية دائمة خارج مؤسسة عسكرية وطنية موحدة.
لكن هذا المبدأ يضع الجميع أمام السؤال نفسه: ما الوضع القانوني والعسكري للقوات المشتركة، وحركات دارفور المسلحة، وسائر التشكيلات التي تقاتل إلى جانب الجيش؟ إن مشاركة هذه القوات في الحرب لا تعفيها من سؤال المستقبل: هل ستندمج في جيش قومي مهني، أم ستبقى جيوشاً موازية تحتفظ بقياداتها وولاءاتها وسلاحها؟ لا يستقيم رفض تعدد الجيوش في جهة، مع اعتبار أي قوة أخرى استثناءً أبدياً من القاعدة.
وهنا يبرز سؤال قديم يتجدد: «تحرير السودان» من ماذا، ولمن، وبأي مشروع بعد التحرير؟ ليس المقصود إنكار تاريخ الحركات المسلحة أو التضحيات التي قدمها مقاتلوها، وإنما مطالبتها بأن تنتقل من منطق البندقية إلى منطق الدولة، ومن شرعية الثورة إلى شرعية المؤسسات. فالتحرير الذي لا ينتهي إلى جيش واحد وقانون واحد ومواطنة متساوية يظل مشروعاً ناقصاً مهما رفعت راياته من شعارات.
وتزيد تصريحات إيثار خليل إبراهيم، التي نقلتها وسائل إعلام في سياق الجدل ذاته، من أهمية طرح الأسئلة حول لغة التهديد وحدود دور القيادات السياسية والعسكرية في رسم مستقبل القوات المسلحة. لكن لا يجوز أن تتحول التصريحات المتداولة إلى أحكام نهائية قبل التثبت من سياقها الكامل ومصدرها المباشر.
إن السودان يخوض حرباً تستنزف شعبه ودولته، ولا يحتمل أن تتحول معركة الدفاع عن بقائه إلى صراع على من يملك حق إنشاء القوة المسلحة ومن يملك حق منعها. الأولوية الآن لإنهاء خطر الدعم السريع، وحماية المدنيين، وتوحيد القيادة العسكرية، ثم بناء دولة لا تحتاج فيها أي جماعة إلى جيشها الخاص كي تضمن حقوقها أو تفرض شروطها.
معركة الكرامة ليست صك ملكية يمنح أحداً حق احتكار السلاح، وليست تفويضاً مفتوحاً لتأجيل بناء الدولة. إنها مسؤولية وطنية تقتضي وحدة الصف، ووضوح الموقف، والاحتكام إلى المؤسسات.
أما التمرد على الدولة، فليس وسيلة لبناء الدولة.
نقطة. سطر جديد.