
حين يتحول الظن إلى فتوى… من يحمي وعي المجتمع؟
سلسلة مقالات: الجذور التي لا تُرى
المقال رقم (1)
*مدخل:
من أخطر مظاهر الفوضى في مجتمعاتنا أن يتصدر غير المؤهلين للحديث في قضايا الدين والمجتمع، فيصدرون الأحكام عبر المنابر ووسائل التواصل دون علم أو تثبت، فتتحول الظنون إلى فتاوى، والانطباعات إلى حقائق، ويُربك وعي المجتمع.
وتتحمل الدولة جانبًا من المسؤولية حين تترك الخطاب الديني والإعلامي والاجتماعي بلا تنظيم أو تأهيل، فحرية التعبير لا تعني الفوضى، كما أن حماية المجتمع تبدأ بحماية وعيه.
أولًا: هل نحاكم الأعمال أم مصادر تمويلها* ؟
انتشرت في الآونة الأخيرة دعوات تحذر الأسر من بعض مراكز خدمات النساء والفتيات، لا بسبب مخالفة قانونية أو انحراف في أنشطتها، وإنما لأن تمويلها يأتي من جهات خارجية.
والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح هو: هل يكون مصدر التمويل وحده سببًا للحكم على مشروع بالفساد؟ أم أن العدل يقتضي النظر إلى أهدافه ومضمونه وآثاره؟
فإذا كانت هذه المراكز تقدم تدريبًا مهنيًا، أو تعليمًا للحرف والصناعات المنزلية، أو برامج للتوعية الصحية والأسرية، أو وسائل لتحسين دخل الأسر، فإن الحكم عليها يجب أن يكون من خلال ما تقدمه، لا من خلال الافتراضات أو الشائعات.
ثانيًا: الإسلام يدعو إلى التعاون في الخير
لقد وضع الإسلام قاعدة جامعة بقوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾.
ولذلك فإن التعاون مع أي جهة في عمل نافع لا يمس العقيدة ولا يضر بالمجتمع ليس محرمًا في ذاته، فقد تعامل النبي ﷺ مع غير المسلمين في شؤون الحياة، وكان الميزان دائمًا هو تحقيق المصلحة ومنع المفسدة.
كما أن قبول الآخر لا يعني التنازل عن الثوابت، وإنما يعني التعاون معه فيما يحقق الخير العام، مع الحفاظ على الهوية والقيم.
ثالثًا: المصطلحات تحتاج إلى فهم لا إلى تخويف
كثير من المصطلحات المتداولة اليوم، مثل الصحة الإنجابية أو العنف ضد المرأة، أصبحت محل جدل قبل فهمها.
فالصحة الإنجابية ليست عنوانًا واحدًا لمعنى واحد، بل تضم موضوعات متعددة، منها رعاية الأم أثناء الحمل والولادة، وصحة الطفل، والتوعية الصحية، والتغذية، وهي قضايا تتفق مع مقاصد الإسلام في حفظ النفس والأسرة. وقد تتضمن بعض البرامج مفاهيم أخرى تحتاج إلى مراجعة وتمييز، ولذلك فالموقف الصحيح هو دراسة المحتوى، لا رفض المصطلح أو قبوله بإطلاق.
وكذلك مفهوم العنف ضد المرأة؛ فإذا كان المقصود حماية المرأة من الإيذاء والظلم والإهانة، فإن الإسلام سبق إلى تقرير هذه المبادئ، وأوصى بالمرأة خيرًا، وكان من آخر وصايا النبي ﷺ: «استوصوا بالنساء خيرًا». كما أن المعنى المشهور: «ما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم» يعبر عن روح الإسلام في صيانة كرامة المرأة.
إن الإسلام لم ينتظر المواثيق الدولية ليقرر حقوق المرأة، بل جعلها أمًا مكرمة، وزوجة مصونة، وابنة لها حقوق، وشريكًا في بناء الأسرة والمجتمع. ومن المؤسف أن يتبنى كثير من غير المسلمين اليوم ثقافة احترام المرأة، بينما يتردد بعض المسلمين في إبراز ما قرره دينهم منذ قرون.
رابعًا: تمكين المرأة… بناء للأسرة
إن تمكين المرأة لا يعني الصراع مع الرجل، وإنما إعداد شريك قادر على بناء الأسرة والمجتمع.
فالمرأة المتعلمة، والواعية، وصاحبة المهارة، أقدر على تربية أبنائها، ومساندة أسرتها، والمساهمة في التنمية. ولذلك فإن التدريب، والتعليم، والتمكين الاقتصادي، إذا انضبطا بقيم المجتمع وثوابته، يمثلان استثمارًا في الأسرة قبل أن يكونا استثمارًا في المرأة.
خامسًا: مسؤولية الكلمة
إن الفتوى، والخطاب العام، والتأثير في الرأي العام، مسؤوليات عظيمة لا يجوز أن تُترك للظنون أو المعلومات غير الموثقة.
ومن حق المجتمع أن يطمئن إلى أن من يوجهه مؤهل علميًا، ومدرك للواقع، وقادر على التمييز بين النافع والضار، بعيدًا عن التهويل أو التعميم.
خاتمة
إن حماية المجتمع لا تكون بتخويفه من كل جديد، ولا برفض كل تعاون أو كل مصطلح، وإنما بالفهم الصحيح، والتقييم العلمي، والرقابة الواعية، والالتزام بثوابت الدين وقيم المجتمع.
لذلك نناشد الدولة إطلاق برنامج وطني لتأهيل الأئمة والدعاة والمتحدثين في الشأن العام تحت مسمى “الرخصة السودانية لقيادة الدعوة والإرشاد”، بحيث لا يعتلي المنابر إلا المؤهلون علميًا وفكريًا.
كما نناشد الجهات المختصة بالتخطيط الاجتماعي وضع أطر وطنية واضحة لتنظيم الخطاب العام، ومراجعة المفاهيم والمصطلحات الوافدة بميزان العلم والشريعة، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من يضلل الرأي العام أو يثير البلبلة بغير علم.