التقارير

خبر و تحليل | عمار العركي  *الكتلة الديمقراطية وصراع الضمائر…. بين ضمير السياسة وضمير الشعب* 

خبر و تحليل | عمار العركي

 

*الكتلة الديمقراطية وصراع الضمائر…. بين ضمير السياسة وضمير الشعب*

 

▪️كشف ملعب “الخماسية” في أديس أبابا عن ضعف اللياقة السياسية للكتلة الديمقراطية، وفضح تباين أداء لاعبيها وتناقض مواقفهم، كما كشف في الوقت نفسه عن أزمة قديمة ظلت تتراكم بصمت حتى انفجرت إلى العلن.

▪️ أزمة تتعلق بالسؤال الأهم: من تمثل الكتلة الديمقراطية حقاً؟ هل تمثل ضمير الشعب السوداني الذي يبحث عن أي نافذة يمكن أن تُسمع من خلالها مطالبه ورؤيته لمستقبل البلاد؟ أم أنها تمثل ضمير السياسة بما يحمله من حسابات مصالح وتحالفات ومواقف تفرضها ضرورات السباق السياسي وتوازنات القوى؟

▪️ومن واقع أن السياسة لا تعرف الفراغ، وأن أي مساحة تتركها القوى الوطنية سرعان ما يملؤها الآخرون، كنا نرى أن مشاركة القوى الوطنية السودانية في اجتماعات أديس أبابا لم تكن خياراً سياسياً عادياً، بل ضرورة وطنية فرضتها طبيعة المرحلة. فالمعركة لم تعد عسكرية فقط، وإنما أصبحت سياسية كذلك، ومن الخطأ ترك ساحاتها للآخرين دون حضور أو تأثير.

▪️فالوثيقة السياسية التي خرج بها اجتماع أديس أبابا تمثل محاولة متكاملة لرسم إطار لعملية سياسية قادمة، تناولت المسارات الإنسانية والأمنية والسياسية، وتحدثت عن الحوار السوداني ـ السوداني، وملكية السودانيين للعملية السياسية، ووقف الحرب، والعدالة، ومعالجة الكارثة الإنسانية، وعودة النازحين واللاجئين، والحفاظ على وحدة السودان. ورغم الخلاف حول بعض مضامينها أو الأطراف المشاركة فيها، فإن ذلك لا يلغي حقيقة أنها أصبحت جزءاً من الجدل السياسي الدائر حول مستقبل السودان.

▪️وهنا يبرز السؤال: أين كان صوت الكتلة الديمقراطية داخل هذا النقاش؟ وأين كانت رؤيتها تجاه القضايا التي طُرحت؟ ومن الذي دافع عن مواقفها داخل القاعة؟

▪️الحقيقة أن الكتلة الديمقراطية كانت منشغلة بخلافاتها الداخلية أكثر من انشغالها بالتأثير على الحدث نفسه. فبينما اختارت بعض مكوناتها المشاركة، تمسكت قيادتها بخيار المقاطعة، لتبدأ بعدها سلسلة من البيانات المتعارضة والتصريحات المتناقضة التي عكست حجم الأزمة داخل الكتلة. ولم يعد الخلاف متعلقاً بالمشاركة أو المقاطعة فحسب، بل تحول إلى خلاف حول من يملك القرار، ومن يملك حق التحدث باسم الكتلة، ومن يحدد اتجاهها السياسي.

▪️لقد ظلت الكتلة الديمقراطية طوال السنوات الماضية تقدم نفسها باعتبارها ممثلاً لقطاع واسع من السودانيين، وصوتاً للقوى الوطنية الرافضة لاختطاف الدولة أو مصادرة إرادة الجماهير. لكن ملعب الخماسية في أديس أبابا كشف وجود فارق كبير بين تمثيل ضمير الشعب وتمثيل ضمير السياسة.

▪️فضمير الشعب كان يقتضي الحضور لا الغياب، والمشاركة لا المقاطعة، وإيصال صوت الجماهير إلى المنابر الإقليمية والدولية، وملء الفراغ الوطني لا تركه للآخرين.

▪️أما ضمير السياسة فقد انشغل بحسابات المصالح، والمواقف المتلجلجة، والتحالفات غير المبدئية، والتحفظات الخجولة. وفي نهاية المطاف انتصر ضمير السياسة داخل مؤسسات الكتلة، بينما غاب الصوت الذي كان يفترض أن يحمل رؤية قطاع واسع من السودانيين إلى منصة إقليمية مهمة.

▪️وكانت النتيجة واضحة.

انقسام داخل الكتلة. مكونات شاركت وأخرى قاطعت. بيانات متعارضة ورسائل متناقضة. وصورة سياسية مرتبكة أمام الرأي العام.

▪️أما الخاسر الأكبر فكان الكتلة نفسها، إذ خسرت فرصة الحضور والتأثير في منصة إقليمية مهمة، وخسرت فرصة إيصال رؤيتها المنبثقة من رؤية قطاعات واسعة من الشعب السوداني إلى الوسطاء والفاعلين الإقليميين والدوليين، كما خسرت صورة التماسك التي ظلت تتدثر بها باعتبارها كتلة موحدة.

▪️لكن الأهم من كل ذلك أن القضية لم تعد تتعلق بمستقبل الكتلة الديمقراطية وحدها، بل بمستقبل العملية السياسية السودانية بأكملها. فالوثيقة التي خرج بها الاجتماع، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف حول مضامينها، أصبحت واقعاً سياسياً جديداً ومحاولة جادة لوضع إطار مرجعي لمرحلة ما بعد الحرب.

▪️ومن المرجح أن تسهم هذه الوثيقة في إعادة فرز المشهد السياسي السوداني خلال الفترة المقبلة، وأن تدفع نحو تشكيل اصطفافات وتحالفات جديدة تتجاوز كثيراً من الأطر والتحالفات القائمة حالياً. كما أن تأثيرها لن يتوقف عند القوى المدنية والسياسية المشاركة فيها، بل سيمتد إلى الكتلة الديمقراطية نفسها، التي ستجد نفسها أمام استحقاق صعب يتعلق بمستقبل وحدتها الداخلية وقدرتها على المحافظة على تماسكها في ظل التباين المتزايد حول العملية السياسية الجديدة.

▪️ويبقى السؤال الأكثر حساسية: كيف ستتعامل الدولة الرسمية ومجلس السيادة مع هذه الوثيقة؟

هل سيتم النظر إليها باعتبارها مبادرة سياسية ومسار تطويرى يخدم المصالح الوطنية؟ أم باعتبارها مساراً ينبغي مواجهته ورفضه بالكامل؟

▪️في تقديري، فإن جوهر الأزمة لم يعد محصوراً داخل الكتلة الديمقراطية وحدها، بل انتقل إلى مستوى أوسع يتعلق بمستقبل العملية السياسية السودانية نفسها. فالتحدي الحقيقي لم يعد في تقييم ما حدث في أديس أبابا، بقدر ما أصبح في كيفية التعاطي مع نتائجه ومخرجاته.

▪️ومن هنا يبرز السؤال الذي سيشغل دوائر القرار السياسي والسيادي خلال المرحلة المقبلة: هل يكون الخيار هو مواجهة مسار أديس أبابا من الخارج؟ أم السعي إلى اختراقه والتأثير عليه من الداخل بما يحفظ المصالح الوطنية ويضمن حضور الرؤية السودانية في أي ترتيبات سياسية قادمة؟

▪️وفي تقديري، هذه هي العقدة السياسية الحقيقية التي ستحدد شكل الاصطفافات والتحالفات خلال المرحلة المقبلة، ليس فقط داخل الكتلة الديمقراطية، وإنما داخل مجمل المشهد السياسي السوداني.

▪️أما الكتلة الديمقراطية، فقد خرجت من أديس أبابا أمام تحدٍ حقيقي لمشروعها السياسي ولمزاعم تمثيلها للشارع السوداني. فحين يتعارض ضمير السياسة مع ضمير الشعب، وحين يصبح الحضور الوطني موضع خلاف داخل القوى التي تدعي تمثيل الجماهير، فإن الأسئلة تصبح أكبر من الإجابات، وتتحول الأزمة من خلاف حول موقف سياسي إلى مراجعة شاملة لدور التحالف ومستقبله.

▪️ولهذا سيبقى السؤال الإستراتيجي الأهم مشروعاً : هل أديس أبابا مجرد محطة خلاف عابرة؟ أم هي بداية إعادة تشكيل الخريطة السياسية السودانية بأكملها، وفق رؤية خارجية وأدوات داخلية؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى