
خبر وتحليل | عمار العركي *أسامة داؤود… “دالٌ” على الصحافة* كيف دلّت عودته على انقسام الأقلام الصحفية؟ تعددت الأسئلة واختلفت الإجابات… وغاب السؤال الذي يستوعب كل الأسئلة
خبر وتحليل | عمار العركي
*أسامة داؤود… “دالٌ” على الصحافة*
كيف دلّت عودته على انقسام الأقلام الصحفية؟
تعددت الأسئلة واختلفت الإجابات… وغاب السؤال الذي يستوعب كل الأسئلة
تحول لقاء رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس برجل الأعمال أسامة داؤود إلى سجال صحفي كشف عن تباين واضح في طريقة قراءة الحدث، . ولا يسعى هذا المقال إلى محاكمة أسامة داؤود أو الدفاع عنه، ولا إلى ترجيح كفة تيار على آخر، بقدر ما يحاول إعادة قراءة هذا السجال واستخلاص منطلقات الأقلام المختلفة. فالاختلاف لم يكن حول الوقائع بقدر ما كان حول منطلق القراءة؛ فمن الصحفيين من استدعى الماضي، ومنهم من انطلق من ضرورات الحاضر، وآخرون احتكموا إلى القانون، بينما دعا فريق رابع إلى الثقة في مؤسسات الدولة. وبين هذه الأسئلة جميعها، غاب سؤال أكثر أهمية: (كيف ينبغي للدولة أن تدير علاقتها برأس المال الوطني بما يحقق الأمن الاقتصادي، ويحمي السيادة، ويشجع الاستثمار، ويمنع في الوقت نفسه إعادة إنتاج شبكات النفوذ و الامتيازات؟)
(1)
كان أول هذه المسارات هو “سؤال الذاكرة”، الذي هيمن على كتابات(عزمي عبدالرازق، وعبدالماجد عبدالحميد، و أبشر الماحي الصائم، وعمر كابو، ومحمد عبدالقادر). فقد أعادت هذه الكتابات أسامة داؤود إلى سياقه التاريخي، مستحضرة علاقته بالسلطة خلال عهد الإنقاذ، و الامتيازات التي تمتع بها، و شبكة علاقاته السياسية و الإقليمية، انطلاقاً من قناعة مفادها أن(ضرورات الاستثمار لا ينبغي أن تؤدي إلى تعطيل الذاكرة الوطنية). ولذلك لم يكن جوهر هذا الاتجاه رفض الاستثمار أو معاداة القطاع الخاص، بقدر ما كان التحذير من أن تتحول مرحلة إعادة الإعمار إلى فرصة لعودة النموذج الذي تداخلت فيه المصالح الاقتصادية مع النفوذ السياسي، وتراجعت فيه المنافسة العادلة. ولهذا ركزت هذه الأقلام على (مساءلة الدولة قبل مساءلة أسامة داؤود)، متسائلة: هل تغيرت قواعد اللعبة، أم أن الأسماء القديمة تعود بالآليات نفسها؟
(2)
بالمقابل،كان (سؤال المصلحة)، الذي انطلق من واقع اقتصادي فرضته الحرب، حيث تراجعت القدرات الإنتاجية، وتعطلت المصانع، وانهارت سلاسل الإمداد، فأصبحت البلاد في حاجة إلى كل طاقة إنتاجية وطنية قادرة على الإسهام في إعادة البناء. وقد مثل هذا الاتجاه بوضوح (الهندي عز الدين، والطاهر ساتي، وعبدالسلام العقاب)، كما عبّر عنه (فتح الرحمن النحاس)بعبارته اللافتة: “رغيف الخبز قبل السياسة”، وهي عبارة تلخص رؤية ترى أن الاقتصاد لا ينتظر اكتمال الخلافات السياسية، وأن معيشة المواطنين تفرض على الدولة قرارات تحكمها المصلحة العامة لا المواقف المسبقة.
(3)
وكان الهندي عز الدين الأكثر تفصيلاً داخل هذا الاتجاه؛ إذ لم ينكر أن أسامة داؤود كان من أكبر المستفيدين من نظام الإنقاذ، لكنه في الوقت نفسه سعى إلى نفي صلته بالدعم السريع، وأكد وجود خلاف بينه وبين قيادة المليشيا، بل أورد روايات تشير إلى أنه حاول التأثير على دوائر القرار في أبوظبي لوقف دعم الحرب. وهكذا انتقل الجدل من سؤال: ماذا كان اسامه ؟ إلى سؤال: ماذا يمكن لأسامه أن يُقدم الآن؟ وهو انتقال يعكس اختلافاً في زاوية النظر أكثر مما يعكس اختلافاً في الوقائع.
(4)
ثم ظهر اتجاه ثالث، مثله (ضياء الدين بلال)، لم ينطلق من تقييم الرجل، وإنما من مبدأ قانوني راسخ، وهو أن الأصل في الإنسان البراءة حتى تثبت إدانته. لذلك رفض ضياء أن تتحول الصحافة إلى منصة لإصدار الأحكام، ودعا إلى الاحتكام إلى الأدلة ومؤسسات العدالة، لا إلى الانطباعات أو القرائن الظرفية. فسؤال ضياء لم يكن: هل أسامة داؤود صالح أم طالح؟ وإنما: هل توجد بينات قانونية كافية لإدانته؟
(5)
ومن زاوية مختلفة، طرح (علم الدين عمر)سؤالاً يتعلق بالدولة أكثر من تعلقه بالرجل. فجوهر موقفه أن (الصحافة لا ينبغي أن تسبق مؤسسات الدولة في إصدار الأحكام). فإذا كانت الحكومة قد استقبلت الرجل رسمياً، بحضور رئيس الوزراء وعدد من الوزراء، فإن ذلك يعني – في نظره – أن الدولة لا ترى ما يمنع من التعامل معه، أو أنها على الأقل تتحمل مسؤولية قرارها. ولذلك دعا إلى ترك المؤسسات تمارس اختصاصها، بدلاً من محاكمة الأشخاص عبر المنابر الإعلامية.
(6)
هكذا لم تختلف الصحافة حول الوقائع، بقدر ما تختلف حول المرجعية التي تُقرأ بها تلك الوقائع؛ فكل اتجاه كان يجيب عن سؤال مختلف، ولذلك جاءت الإجابات متباينة رغم وحدة الحدث. غير أن هذا التنوع في المقاربات أخفى سؤالاً أكثر عمقاً: كيف تبني الدولة، وهي مقبلة علي مرحلة إعادة الإعمار، علاقة جديدة مع القطاع الخاص تقوم على المؤسسية لا الشخصنة، وعلى القواعد لا الاستثناءات؟
(7)
فالقضية ليست عودة أسامة داؤود في حد ذاتها، وإنما المعايير التي تحكم عودة أي مستثمر، والضمانات التي تمنع تحول القوة الاقتصادية إلى نفوذ سياسي، وتحقق المنافسة العادلة، وتجعل رأس المال الوطني شريكاً في التنمية، لا شريكاً في صناعة القرار خارج المؤسسات. وهنا يتقدم (مفهوم الأمن الاقتصادي) باعتباره الإطار الجامع لكل الأسئلة السابقة؛ فبجانب حمايته للاقتصاد من الانهيار، يحمي الدولة من تغول المصالح الخاصة، ويحمي السوق من الاحتكار، ويحمي الاستثمار من التسييس، ويحمي القرار الوطني من التأثيرات غير المؤسسية.
(8)
ومن هذا المنظور، تبدو (أسئلة الذاكرة مشروعة) لأنها تحذر من تكرار الأخطاء، كما تبدو (أسئلة المصلحة مشروعة) لأنها تستجيب لحاجة البلاد إلى الإنتاج وإعادة الإعمار، وتظل (أسئلة القانون)ضرورة لحماية العدالة، فيما تبقى (الثقة في مؤسسات الدولة) شرطا للاستقرار . لكن أياً كان ، لا يكفي لبناء سياسة اقتصادية وطنية متوازنة، لأن (الأمن الاقتصادي)وحده هو الإطار القادر على الجمع بينها دون أن يلغي أياً منها.
*خلاصة القول ومنتهاه:*
في تقديري، لم تكن عودة أسامة داؤود هي القضية الحقيقية، بل الطريقة التي قرأت بها الصحافة هذه العودة. فقد انشغل كثيرون بالرجل نفسه، بينما بقي السؤال الأهم مؤجلاً: كيف تبني الدولة علاقة متوازنة مع رأس المال الوطني، تشجع الاستثمار وتحمي الاقتصاد، دون أن تسمح بعودة الامتيازات أو تغوّل النفوذ؟ فحين تكون القواعد واضحة، وسيادة القانون هي المرجعية، لن يكون الخلاف حول اسم المستثمر، بل حول ما يقدمه للوطن، ومدى التزامه بالقانون، وإسهامه في التنمية. عندها ينتقل النقاش من الأشخاص إلى السياسات، ومن الجدل إلى بناء أمن اقتصادي يعزز استقرار البلاد ومستقبلها.