
خبر وتحليل ! عمار العركي *فوضى المعابر وعجز السفارة… هل تفشل مبادرة المخابرات العامة؟*
خبر وتحليل ! عمار العركي
*فوضى المعابر وعجز السفارة… هل تفشل مبادرة المخابرات العامة؟*
▪️تصريحات مدير إدارة المعابر والمنافذ البرية، الفريق ياسر محمد عثمان، لصحيفة “الكرامة”، تُمثل دليلاً إضافياً يؤكد ما خلصنا إليه في مقالينا السابقين: الأول حول علاقة كامل إدريس بمراكز القوى داخل المؤسسات، والثاني بشأن بيانات الضرائب والجمارك وسؤال: من يحكم المعابر؟
▪️وبحسب إفادة الفريق ياسر بأن «الرسوم صادرة عن مكتب ضرائب وادي حلفا وليست من إدارة المعبر»، فإن ذلك يعكس فوضى وعشوائية في منظومة القرار: جهة تُصدر، وأخرى تُنفذ، وثالثة تتحمل النتائج، بينما تنفي الجهة المختصة الأعلى علاقتها بالأمر جملة وتفصيلا. وفي قلب هذا التشظي، يقف المواطن العائد في مواجهة مباشرة مع قرارات لا يعرف مصدرها، ولا يجد جهة تتحمل مسؤوليتها.
▪️إيقاف الرسوم «مؤقتاً» -يُقرأ كترجمة آنية لرفع العبء عن المواطن العائد “مؤقتاً”، ويؤكد أن المشكلة أعمق من مجرد زيادة تم التراجع عنها، بل هي أزمة في مركزية القرار ذاته، وفي قدرة الدولة على ضبط مؤسساتها التنفيذية. وهو ما يضعنا أمام السؤال الجوهري: هل تملك الدولة قرارها بالفعل، أم أن القرار يُعاد تشكيله داخل المؤسسات وفق موازين القوة والنفوذ؟
▪️في هذا السياق، تبدو تجربة برنامج العودة الطوعية نموذجاً كاشفاً لهذا الخلل. فعلى الرغم من أهميته الوطنية والإنسانية، إلا أن التنفيذ جاء دون المستوى، حيث انصرفت جهود وزارة الرعاية الاجتماعية إلى تنظيم استقبال العائدين عبر المطارات، في وقت تُركت فيه الغالبية العظمى من العائدين عبر المعابر البرية – وهم الأكثر احتياجاً – لمواجهة تعقيدات الطريق وتكاليفه دون إسناد كافٍ.
▪️ومما يزيد الطين بلة، الغياب شبه الكامل لدور السفارة السودانية في مصر، التي لم يظهر لها حضور فاعل يتناسب مع حجم الأزمة أو متطلبات المرحلة. هذا الغياب لم يكن مجرد تقصير إداري، بل ساهم في تعميق الفوضى، وفتح الباب أمام تعدد المبادرات وتضاربها في ظل غياب التنسيق المؤسسي.
▪️في المقابل، برزت بعض مؤسسات الدولة، وعلى رأسها المنظومة الدفاعية وجهاز المخابرات العامة، بأدوار أكثر تماسكاً وفاعلية، سواء في تنظيم حركة العائدين أو في طرح مبادرات عملية لمعالجة الأزمة. غير أن هذا الدور – على أهميته – يواجه تحدياً حقيقياً، يتمثل في خطر إجهاضه بفعل الفوضى الإدارية، وتدخلات ما يُعرف باللجنة العليا لتنسيق المبادرات (لجنة «زولي وزولك»)، والتي قد تتحول من أداة تنظيم إلى عامل إرباك إضافي.
▪️ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل تفشل مبادرة جهاز المخابرات العامة تحت ضغط هذا الواقع المضطرب؟ أم تنجح في فرض نموذج مختلف قائم على الانضباط والتنسيق؟
▪️الإجابة لا تتعلق بقدرة الجهاز وحده، بل بمدى توافر الإرادة لتمكينه من العمل في بيئة منضبطة، بعيداً عن التداخلات والازدواجية. وفي هذا الإطار، تبدو الحاجة ملحة لخطوة أكثر حسماً، عبر إسناد إدارة المبادرة لفرق متخصصة ومهنية قادرة على ضبط الإيقاع التنفيذي. وهنا نطرح مقترح ابتعاث فريق فني متخصص من ضباط الجهاز للإشراف المباشر، كخيار عملي لضمان نجاح المبادرة وتحقيق أهدافها.
*خلاصـة القـول ومنتهـاه:*
▪️فوضى المعابر وعجز السفارة ليستا مجرد مظاهر خلل، بل تعبير عن أزمة أعمق في بنية القرار التنفيذي، وبين مبادرة تسعى للانضباط وواقع إداري يميل للفوضى، يبقى نجاح مبادرة المخابرات العامة رهيناً بقدرتها على فرض نموذج مختلف… أو السقوط في ذات الدائرة.