
خبر وتحليل : عمار العركي *ما وراء البحرين؟* قراءة في زيارتي مسقط والمنامة ورسائل ما بعد الحرب
خبر وتحليل : عمار العركي
*ما وراء البحرين؟*
قراءة في زيارتي مسقط والمنامة ورسائل ما بعد الحرب
▪️في السياسة، لا تُقاس أهمية الزيارات بمضمون البيانات الرسمية الصادرة، بل بما تخفيه من رسائل، وما يحيط بها من غموض، وما تفرضه التطورات الإقليمية من أسئلة. لذلك، فإن زيارة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى المنامة، وقبلها زيارته إلى مسقط، تبدوان أبعد بكثير من مجرد تحركات عادية أو لقاءات ثنائية تقليدية، خاصة في سياق الحرب ، والتصدعات المتسارعة داخل المشهد العسكري والسياسي، وحالة إعادة التموضع الإقليمي الجارية في المنطقة بأسرها.
▪️فالحديث عن تعاون اقتصادي بين الخرطوم والمنامة، في ظل تبادل تجاري محدود، لا يبدو كافياً لتفسير توقيت الزيارة ومستواها السياسي والأمني. كما أن طبيعة البحرين نفسها، باعتبارها جزءاً حساساً في معادلة أمن الخليج ، تجعل من الصعب فصل الزيارة عن ترتيبات إقليمية أوسع تتجاوز السودان والبحرين معاً.
▪️ومن هنا، تبرز فرضية مهمة مفادها أن المنامة ربما تواصل هندسة مخرجات سابقة للقاء الفريق أول شمس الدين الكباشي بمسؤولين بحرينيين، ذلك اللقاء الذي أثار وقتها جدلاً واسعاً داخل السودان بسبب غموضه وتوقيته الحساس. وإذا صح هذا التقدير، فإن البحرين قد تكون تحولت إلى منصة تنسيق هادئة بين أطراف إقليمية معنية بإعادة تشكيل المشهد السوداني، أو على الأقل المساهمة في رسم ملامح المرحلة القادمة.
▪️وفي هذه الحالة، فإن ما يجري قد لا يتعلق فقط بوقف الحرب، بل بترتيبات أعمق تخص شكل السلطة المقبلة، وطبيعة التحالفات الجديدة، والجهة التي ستملك النفوذ الأكبر داخل السودان بعد انتهاء المعركة. وربما لهذا السبب تزداد السرية وتقل التفاصيل الرسمية، لأن الملفات المطروحة تتجاوز الدبلوماسية التقليدية إلى مساحات الأمن والاستخبارات والتفاهمات غير المعلنة.
▪️كما لا يمكن استبعاد أن تكون زيارة المنامة امتداداً مباشراً لزيارة البرهان إلى مسقط. فسلطنة عمان، المعروفة بدبلوماسيتها الهادئة، كثيراً ما لعبت أدوار الوسيط وقناة الاتصالات الخلفية في أزمات المنطقة. وبالتالي، قد تكون مسقط قد احتضنت نقاشات أولية تتعلق بفرص التهدئة أو التسوية أو إعادة ترتيب الاتصالات بين أطراف إقليمية متقاطعة المصالح في السودان، بينما جاءت المنامة لاستكمال تلك التفاهمات داخل الإطار الخليجي الأمني والسياسي الأكثر التصاقاً بالتحالفات الغربية.
▪️وبهذا المعنى، ربما أدت مسقط دور “تفكيك العُقد”، بينما تؤدي المنامة دور “بناء الترتيبات”.
▪️هناك أيضاً احتمال يرتبط بتصاعد القلق الإقليمي من سيناريو الانهيار الكامل داخل السودان، خصوصاً مع تفاقم الانقسامات داخل مليشيا الدعم السريع واتساع نطاق الفوضى الأمنية. بعض العواصم الخليجية ربما باتت ترى أن استمرار الحرب دون أفق واضح للحسم سيحوّل السودان إلى مصدر تهديد مباشر لأمن البحر الأحمر والممرات التجارية والطاقة، وهو ما قد يفسر الحراك السياسي المتسارع بعيداً عن الأضواء.
▪️ومن زاوية أخرى، فإن إشادة البرهان بأمن البحرين وإدانته لما وصفه بالاعتداءات الإيرانية تحمل دلالات تتجاوز المجاملة السياسية. فهي قد تكون جزءاً من محاولة إعادة تموضع سوداني أوضح داخل المحور الخليجي التقليدي، وربما أيضاً رسالة موجهة لعواصم بعينها بأن الخرطوم مستعدة لاستعادة موقعها القديم داخل معادلات المنطقة الأمنية.
▪️كما لا يبدو مستبعداً أن تكون بعض هذه اللقاءات قد تطرقت ـ بصورة مباشرة أو غير مباشرة ـ إلى مستقبل القيادة السياسية والعسكرية في السودان، وشكل المؤسسة العسكرية في مرحلة ما بعد الحرب، والضمانات المطلوبة إقليمياً لأي تسوية قادمة. فالدول المؤثرة لا تتحرك بهذا الاهتمام دون أن تكون معنية بالسؤال الأهم:
من سيحكم السودان؟ وكيف سيُدار توازن النفوذ داخله؟
*▪️خلاصة القول ومنتهاه،*
▪️أن ما يثير الانتباه في زيارتي مسقط والمنامة ليس ما قيل فيهما، بل ما لم يُقل. فالصمت الكثيف الذي أحاط بالزيارتين، وشح التفاصيل، وطبيعة التوقيت، كلها مؤشرات على أن المنطقة ربما دخلت بالفعل مرحلة النقاش الجاد لسودان ما بعد الحرب ، كلما ارتفع مستوى السرية، كان ذلك دليلاً على أن الملفات المطروحة تتعلق بإعادة رسم التوازنات، ولذلك، قد لا تكون المنامة ومسقط مجرد محطتين في أجندة تحرك خارجي عادي، بل عنواناً لتحولات أكبر تُدار بهدوء خلف الكواليس؛ تحولات تتعلق بمستقبل السلطة، وشكل التسوية، وموقع السودان داخل خارطة الاستقطاب الإقليمي الجديدة.