الأعمدة

خبر وتحليل | عمار العركي  *من النفط إلى الزراعة والتعدين والموانئ والبنوك… هل تقود السفارة السودانية في بكين نهضة الدبلوماسية الاقتصادية؟*  > تحركات تعكس عودة العلاقات السودانية الصينية إلى مسارها الاقتصادي. > المطلوب أن يتحول النجاح الدبلوماسي إلى مشروع دولة تقوده الرئاسة والحكومة

خبر وتحليل | عمار العركي

 

*من النفط إلى الزراعة والتعدين والموانئ والبنوك… هل تقود السفارة السودانية في بكين نهضة الدبلوماسية الاقتصادية؟*

> تحركات تعكس عودة العلاقات السودانية الصينية إلى مسارها الاقتصادي.

> المطلوب أن يتحول النجاح الدبلوماسي إلى مشروع دولة تقوده الرئاسة والحكومة

▪️في العلاقات الدولية، لا تُقاس نجاحات البعثات الدبلوماسية بعدد اللقاءات أو البيانات، وإنما بقدرتها على تحويل العلاقات السياسية إلى مصالح ملموسة ومشروعات تخدم الاقتصاد الوطني. وهذا ما بدأت مؤشراته من خلال حراك اقتصادي تقوده السفارة السودانية في بكين،

▪️خلال أقل من عام من مباشرة السفير عمر عيسى مهامه، برزت سلسلة من التطورات المهمة؛ بدءاً من صفقة الاستثمار الصينية في مربع النحاس التابع لشركة أرياب، مروراً باستعادة بنك أم درمان الوطني علاقاته المصرفية المباشرة مع بنك الصين، وفتح حساب باليوان في مركز شنغهاي، بدعم من السفارة والقنصلية السودانية، وصولاً إلى تحريك ملفات التعاون في النفط والموانئ والزراعة.

▪️أعادت السفارة تنشيط التواصل مع شركة CNPC الصينية لبحث مستقبل الشراكة النفطية، بينما شهدت بكين توقيع مذكرة تفاهم بين هيئة الموانئ البحرية وشركة CHEC الصينية لتطوير البنية التحتية للموانئ وتأهيل المعدات والأنظمة، وامتد الحراك إلى القطاع الزراعي، من خلال استضافة وفد وزارة الزراعة، وبحث الاستفادة من التجربة الصينية في التحديث الزراعي، إلى جانب توقيع مذكرة تفاهم بين البنك الزراعي السوداني وشركة LOVOL الصينية للتعاون في مجال الآليات الزراعية،

▪️هذه التطورات مجتمعة يصعب التعامل معها كوقائع متفرقة؛ فمن التعدين إلى المصارف، فالنفط والموانئ والزراعة، تتشكل ملامح دبلوماسية اقتصادية تستهدف إعادة صياغة العلاقة السودانية الصينية، وتحويل التقارب السياسي إلى استثمارات وتمويل ونقل للتكنولوجيا وشراكات إنتاجية.

▪️ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن هذا الحراك تحقق خلال فترة وجيزة، مستفيداً من الخبرة الطويلة للسفير عمر عيسى في الشأن الصيني، وإجادته اللغة الصينية، ومعرفته بآليات صنع القرار، وشبكة العلاقات التي راكمها عبر سنوات عمله، وهي عناصر تبدو وقد تحولت إلى رصيد عملي لخدمة المصالح الوطنية.

▪️غير أن قراءة هذا النجاح لا تكتمل دون النظر إليه باعتباره امتداداً لمسار دبلوماسي متراكم؛ فقد كان وزير الخارجية السابق السفير علي يوسف أحد أبرز مهندسي إعادة بناء العلاقة مع الصين ووضع لبناتها الأولى في مرحلتها الراهنة، ثم جاء وزير الدولة السابق السفير عمر صديق ليواصل ما بدأه ويعزز مسارات التواصل والتعاون، قبل أن يأتي السفير عمر عيسى امتداداً متصلاً لهذا العطاء الدبلوماسي الناجح، مستفيداً من التراكم والخبرة والمعرفة العميقة بطبيعة الشريك الصيني وآليات العمل معه.

▪️وهنا تكمن أهمية التجربة؛ فنجاح الدبلوماسية لا يرتبط فقط بالأشخاص، وإنما بقدرتها على بناء مسار مؤسسي تتكامل فيه الجهود وتتراكم فيه الخبرات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بعلاقة مع دولة كبرى وصاعدة نحو قيادة النظام الاقتصادي والسياسي العالمي.

▪️تؤكد هذه التطورات حقيقة مهمة، وهي أن جذب الاستثمارات لا يعتمد على توقيع الاتفاقيات وحده، وإنما يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل التمويل، والبنية التحتية، والموانئ، والطاقة، والقطاع الإنتاجي ، ليبرز السؤال المشروع: هل تمثل هذه التطورات بداية مرحلة جديدة تستعيد فيها العلاقات السودانية الصينية ألق سبعة وستين عاماً من الصداقة والتعاون، وتعيد تفعيل الشراكة الاستراتيجية بما يعيد الصين إلى موقعها كشريك اقتصادي واستراتيجي رئيسي في مسيرة إعادة إعمار السودان؟

*خلاصة القول ومنتهاه*

▪️ما تحقق في بكين يمثل نموذجاً سودانياً للدبلوماسية الاقتصادية الناجحة، لكن هذا النجاح يحتاج إلى أن يتحول من جهد دبلوماسي إلى مشروع دولة متكامل، تقوده الرئاسة والحكومة، بمشاركة وزارة الخارجية، وبنك السودان المركزي، والوزارات الاقتصادية، عبر سرعة اتخاذ القرار، وتنسيق الجهود، وتحويل مذكرات التفاهم إلى مشروعات واستثمارات قائمة على أرض الواقع.

▪️السفارة تستطيع أن تفتح الأبواب، لكنها لا تستطيع وحدها العبور بهذه الفرص إلى غاياتها؛ فإعادة ألق علاقة تاريخية عمرها 67 عاماً، وتفعيل شراكة استراتيجية مع الصين، يتطلبان إرادة مؤسسية قادرة على تحويل التقارب الدبلوماسي إلى إعمار وتنمية واستثمار ونقل للتكنولوجيا.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى