الأعمدة

.د. حيدر البدري.. يكتب السودان.. ستة عقود من الدوران في حلقة الأزمات.  كلما جاءت أمةٌ لعنت أختها!

.د. حيدر البدري.. يكتب

 

السودان.. ستة عقود من الدوران في حلقة الأزمات.

 

كلما جاءت أمةٌ لعنت أختها!

 

من أكتوبر إلى ديسمبر، وبين انتفاضة وأخرى، ظل السودان يدور في الحلقة ذاتها؛ يسقط نظام، وتأتي سلطة جديدة محمّلة بالوعود، ثم تتبدد الآمال تحت وطأة الصراع على الحكم، لنجد أنفسنا أمام أزمة جديدة، وكأننا لم نتعلم شيئاً من تجاربنا السابقة.

 

خرج السودانيون في أكتوبر 1964 ضد نظام الفريق إبراهيم عبود، وخلّد المبدعون تلك الانتفاضة بأغانٍ وملاحم شعرية، حملت أصوات محمد وردي ومحمد الأمين. لكن جمال الأناشيد لم يكن كافياً لحماية التجربة الديمقراطية؛ فقد مزقتها خلافات الأحزاب وتنازع المصالح، حتى انتهت بانقلاب جعفر نميري عام 1969.

 

ومضت ستة عشر عاماً قبل أن تطيح انتفاضة أبريل 1985 بنميري، لتعود الأحزاب إلى الحكم، ثم تعجز مرة أخرى عن تجاوز انقساماتها وإدارة أزمات البلاد، فكان انقلاب 1989 بقيادة عمر البشير. وبعد ثلاثة عقود، خرج السودانيون في ثورة ديسمبر 2018 مطالبين بالحرية والسلام والعدالة، لكن الانتقال تعثر، وتفاقمت الخلافات بين القوى المدنية والعسكرية، حتى انفجرت الحرب في أبريل 2023، ودفع المواطن الثمن دماً وتشريداً وجوعاً.

 

هذه ليست دعوة إلى إدانة الثورات أو تبرئة الأنظمة التي أسقطتها، وإنما محاولة لفهم هذا الفشل المتكرر. فالحكومات تُحاسَب، والتغيير حق مشروع، لكن إسقاط الحاكم لا يعني بالضرورة بناء دولة أفضل منه. وحين تغيب الرؤية الوطنية، وتتحول السلطة إلى غنيمة، يصبح كل انتصار سياسي مقدمة لمعركة جديدة.

 

المفارقة أن السودان، بما يملكه من أراضٍ زراعية وأنهار وثروة حيوانية ومعادن، كان مؤهلاً لأن يكون من الدول الأكثر ازدهاراً في المنطقة. لكنه استنزف عقوده في الصراعات، بينما تراجعت مؤسساته وخدماته، وضعف تعليمه الحكومي، واتسعت رقعة الفقر والنزوح، إلى أن جاءت الحرب الراهنة فكشفت هشاشة الدولة وقسوة الحسابات السياسية والعسكرية.

 

المؤلم أننا نتعامل مع كل تجربة باعتبارها بداية التاريخ، ونحاكم ما سبقها بأحكام قاطعة، ثم نكرر الأخطاء نفسها بأسماء وشعارات مختلفة. لا نراجع إخفاقاتنا بما يكفي، ولا نعترف بأن الوطن أكبر من الأحزاب والأشخاص، وأن الدولة لا يجوز أن تكون رهينة لتقلبات الولاء وموازين القوة.

 

لقد آن الأوان لأن نخرج من أسر الشعارات، وأن نتعلم من أكتوبر وأبريل وديسمبر، لا أن نكتفي بتمجيدها. فالسودان لا يحتاج إلى انتفاضة جديدة بقدر حاجته إلى عقد وطني يحمي التداول السلمي للسلطة، ومؤسسات لا تنهار بتغير الحكام، واقتصاد يعيد للمواطن كرامته وأمله في الحياة.

إن المأساة ليست أننا ثرنا كثيراً، بل أننا لم ننجح بعد في تحويل تضحياتنا إلى دولة نستحقها. اليس فيكم رجلٌ رشيد.؟.

ايها السادة :

إن السؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا جميعاً ليس: متى نثور مرة أخرى؟ بل: كيف نبني دولة لا يضطر أبناؤها إلى هدمها كل بضع سنوات كي يبحثوا عن حياة أفضل؟.

نقطة سطر جديد.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى