
د. حيدر البدري.. يكتب في نقطة سطر جديد.. حميدتي.. يااااميت
د. حيدر البدري.. يكتب في نقطة سطر جديد..
حميدتي.. يااااميت.
…
في مقطع متداول، خرج علينا محمد حمدان دقلو الملقب بـ”حميدتي” ليقول إنه رجل متدين يخاف الله. جملة عابرة في زمن التصريحات والشعارات الزائفة ، لكنها تستوقف المرء طويلاً، وتدفعه إلى تأمل المسافة الشاسعة بين منطوق القول وفداحة الفعل.
أي خوف من الله هذا الذي يتحدث عنه رجل تورطت قواته في قتل آلاف الأنفس الطاهرة؟ أي تدين يسكن وجدان من أمر جنوده بانتهاك أعراض المسلمات العفيفات، وسفك دماء الأبرياء في العاصمة ودارفور وكردفان والجزيرة وغيرها؟
ألم يشاهد هذا المتدين واالذي يخاف الله فظائع قواته في الجنينة والفاشر وود النورة؟.. ألم يشاهد هذا الذي تملأ قللبه التقوى ذلك السفاح من جنوده وهو يتباهى أمام الكاميرات بقتل الناس المدنيين بلا رحمة وهو يتبجح بانه قتل الف نفس..؟..إنها لمفارقة موجعة أن يتحول اسم الله إلى غطاء يُلقى على بشاعة الجرائم، وكأن المتحدث يخاطب أقواماً لا ذاكرة لهم، ولا شهود على ما جرى.
أين كان هذا الخوف من الله حين دُمرت مقدرات الشعب السوداني؟ حين تحولت المستشفيات إلى ثكنات، والمدارس إلى مقابر، والجامعات آلى أطلال، والمنازل الموحشة تحكي قصة خراب لم تشهده البلاد في تاريخها الحديث؟ أين كان هذا الخوف حين هرب ملايين السودانيين من أمام جنودك ال”أشاوس”،القتلة الشفشافة، والمجرمون. الذين لا يتورعون عن نهب البيوت وسرقة السيارات وانتهاك الحرمات تحت وطأة السلاح؟.
ايخاف الله من يقود جنودا قتلة قطاع طرق تحل المصائب بالناس حيثما يحلون؟..
..
ثم يستطرد الرجل ليقول إنه يقاتل “الكيزان”، وكأن التاريخ يمحى بكلمة، أو كأن الذاكرة الجمعية للسودانيين أصيبت بمسّ من الجنون. أليس هو صنيعة هذا النظام الذي يحاربه اليوم؟ أليس هو الابن الشرعي لذات المنظومة التي ربته ودربته وسلحته وأطلقته في وجه الأبرياء في جبل مرة وغيرها؟ إنه يلغ في الإناء الذي طالما أكل منه، ثم ينقلب على أصحاب الإناء حين تجف موائده، في مشهد لا يليق إلا بمن لا يوقن أن للتاريخ شهوداً، وأن للدماء أصحاباً لا ينامون.
أما عن دعوات آلاف الثكالى والأرامل والأيتام، فأي جواب يملكه هذا الرجل؟ إن دعوات الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن تحت رصاص ميليشياواته، لترتفع إلى السماء في كل صباح ومساء، تحمل معها أوجاع شعب كامل يلفظ اسمه باللعنة بدلاً من الدعاء. لعنات على من أعمى الطمع بصيرته وأفسد الطغيان فطرته.
ويكثر الجدل.. أما زال حياً؟ أم صار ميتاً؟
ايها السادة : هذا سؤال لم يعد يعنينا كثيراً، فقد مات في قلوب السودانيين قبل أن يموت في جسده. أي فرق بين موته وحياته وقد صار أكثر الناس كرهاً وبغضاً في السودان؟ إنه يمشي بيننا بميتة معنوية لا يداريها ظهور إعلامي ولا بيان سياسي، وكأن الحياة قد فارقته من الداخل وإن بقي جسده يتحرك على المسرح.
فعن أي دين يتحدث يا ترى؟ وعن أي خوف من الله يروي الحكايا؟ إن الدين الذي يأمر بقتل الأبرياء وانتهاك الأعراض وتدمير البلاد ليس من الإسلام في شيء، والخوف من الله لا يسكن قلب من يملأ الأرض ظلماً وعدواناً. إنها الكلمات الأخيرة التي تستحق أن تُقال في رثاء رجل ما زال حياً بعد..
حميدتي.. يااااميت.
نقطة سطر جديد.