
دعوا الحرية والتمسوا فضيلة القيود مرة د. محمد عبد القادر سبيل
دعوا الحرية والتمسوا فضيلة القيود مرة
د. محمد عبد القادر سبيل
الكل يتغنى بها ويحسبها تجارة لن تبور، بينما هو نفسه من يصنع كسادها ويجيرها للفساد في الارض.
فحينما تكون أطنان من الذهب مختطفة من جانب شركات الرأسمالية الطفيلية والشعب يئن من المسغبة والعوز في ظل هيمنة سياسة (التحرير الاقتصادي) فإن النضال لأجل القيود يغدو واجباً و أولوية. وحينما يصبح التجنيد في صفوف المليشيات المسلحة التي تنيف على المائة قوة مسلحة تتربص بالجيش الواحد والشعب الواحد، خياراً متاحاً ومصدراً لكسب العيش، فإن الحديث عن حرية الرأي والنضال يصبح نوعاً من الدجل والتضليل.
وحينما يصل حال البلاد التي تحتضن 100 حركة مسلحة تدعو إلى (تحرير) السودان و 100 حزب سياسي تتصارع على المناصب وتتحالف مع الأجانب والمرتزقة والمتمردين على الدولة باعتبار أن الدولة وجيشها هما المتمردان على الحياد العلماني فلابد أن الحرية سوف تعني الفجور السياسي وبيع الوطن وحياة الشعب لمن يملك المال والقوة دون قيد أو شرط.
وحينما تكون الانتخابات العامة خياراً غير محبذ من طرف القوى الديمقراطية لأنها ترى فوز خصمها رأي القلب ولذلك تطلب الحكم جزافاً بتأليب القوى الامبريالية وتأجيج الاضطرابات الداخلية، فإن مفهوم الحرية يكون حينئذ مسخاً وتهافتاً محضاً.
ولكن الحق، لمن اراد الحق هو أن نترك المتاجرة بهكذا مزاعم رثة، لنبحث عن قيود مجدية تحكم علاقتنا بالدولة وبالشعب والدستور عسى أن نكون شعباً محترماً كما كنا يوماً نتحلى بقيود الوطنية والمسؤولية.
وفي الحقيقة فإن معظمنا يظن أن الحرية إكسير الخياة يضمن بها كرامة الإنسان وعزته أو هي عقيدة مقدسة نتغياها حتى نطلق عنان الهوى لننال ما نشاء دون قهر أو تسلط.
ولكن لنتساءل أساساً وبذمة: ماهي الحرية بالضبط؟.
قطعا هي ليست عكس الرق، بدليل ان الحديث عنها والمناداة بها في القرن العشرين المنصرم كان أشد من ذكرها في العصور الوسطى وما قبلها. وبالتالي فهي شيء آخر لا يبدو متطابقا عند كل من يتناولها بالرصد والفحص والتحليل والتوظيف.
فالرازح تحت الاحتلال يعني بها الاستقلال والتحرر الوطني، واصحاب المذهب الرأسمالي يتغيون بها رفع يد الدولة عن ادارة النشاط الاقتصادي بما يجعل الاشتراكيين متاريس أمام حركة التناقس السياسي والاقتصادي وحتى حرية الفكر و الرأي وبالتالي فهم من هذا المنطلق أعداء للحرية.
أما الاسلام فقد دعا الى ( تحرير الرقبة) والى تحرير النفس من الهوى والضلال وتحرير الناس من عبادة الملوك والاسياد ولكن ذلك مقابل ( يا ايها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم) وبالتالي فهو تتحرر من اجل عبودية بديلة.
وهكذا فالعلمانيون الليبراليون يسعون الى التحرر من قيود الدين وموجهاته كما ينادون الى التحرر من قيود الاشتراكية بينما الاشتراكيون يراهنون على الحرية الحمراء التي تنجي الطبقات العاملة من اغلال ومظالم الطبقات الرأسمالية البورجوازية ومن (الدين افيون الشعوب).
فماهي هذه الحرية إذاً؟ أليست هي شيئا واحداً ومحددا؟
يجيبني قوقل:
(الحرية هي قدرة الفرد على اتخاذ القرارات وتحديد خياراته بإرادته المستقلة دون ضغط أو إكراه خارجي، في إطار من المسؤولية الأخلاقية والقانونية التي تضمن عدم الإضرار بحقوق الآخرين.).
حسناً، قال في إطار من الخ.. إذاً فهي مقيدة لا حرة.
ثم قال هي فقط القدرة على اتخاذ القرار، وأما إنفاذ القرار وتحقيقه عملياً فإنه شأن آخر.
إذاً فهي ليست مقترنة بحتمية إنفاذ قراراتنا كما نشاء، لأن ذلك مرهون دائماً بما هو خارجنا وبيد غيرنا.
سنستنتج فوراً أن أيسر الحريات واقلها كلفة وجهداً هي حرية الامتناع والرفض والمعارضة. وعليه فنحن بصدد الحرية السلبية، بمعنى حرية ألا تفعل الشيء، إلا أذا أجبرتك قوة ما على إتيان ما لا تريد، وهو أمر وارد أيضاً وكثير الحدوث. فماذا بقي لنا من مساحة الحرية؟ لا شيء تقريباً، سوى فرصة ان تقول لا ، وتبقى ساكناً، فإن تحركت فثمة قيود ومحاذير وظروف مجهولة.
الخلاصة هي انه لا توجد في الواقع حرية.. غير تلك الارادة المقيدة أو ربما كانت ممنوعة ومحكومة بشروط الاخر، فلا حرية ما دامت هنالك اخلاق وضمير وقوانين وحدود لكل شيء. وحينئذ فلا معنى للحديث عن هذه الخرافة، اللهم الا إذا كان من المنطقي الزعم بأن هناك (حراً مقيدا) يملا الدنيا ضجيجا وفوضى فحسب.
وفي نهاية المطاف فالأحرى ان نطلق على ما نسميه جزافا: حرية، الاسم الصحيح وهو: التمرد. لأن القيد في هذه الحياة هو الأصل.
قوانين الطبيعة الافلاك الفرص سعة الاشياء المحدودة وتناقض المصالح والارادات كلها قيود وقيود مفيدة في الواقع.
ومن ابلغ الادلة على صحة ما نزعم هنا هو ان قوى الحرية ( قحت) لم تستطع ان تحرر شيئاً أو تغيره طوال ثماني سنوات ولو انها طرقت طريق الايجابية وبناء النموذج الايجابي البديل والأمثل وتخلت عن مستنقع الماضي الآسن، متواشجة مع الجيش لاستطاعت ولو نسبياً احداث الاختراق والتحرر من جذور الدولة العميقة.
زبدة القول:
لا شيء اسمه الحرية في الواقع، فالقيود تنتظر الجميع في كل مكان الا المتمردين على النظام والمسؤولية، فدعونا ننصرف الى صناعة المستقبل بتفكير ايجابي مشترك. لان هذا وحده ما يمكث في الأرض وينفع الناس.
لقد آن ان نحترم قيود الوطنية والاخلاق والضمير والقانون لكي نعيش معاً ونبني وطننا بسلام ككل الشعوب المحترمة.
شعب بلا قيود مرعى بلا حمى.
الله ولي الذين آمنوا.
د. محمد عبد القادر سبيل
خبير اداري وباحث اقتصادي