
دكتور ياسر احمد ابراهيم. أبوحمد… من بوابة الصناعة والتاريخ إلى بوابة كوش (الحلقة الرابعة:) حين تتكلم الأرض بلغة الحضارة… ويصبح الماضي جسراً إلى المستقبل
دكتور ياسر احمد ابراهيم.
أبوحمد… من بوابة الصناعة والتاريخ إلى بوابة كوش
(الحلقة الرابعة:) حين تتكلم الأرض بلغة الحضارة… ويصبح الماضي جسراً إلى المستقبل
إذا كانت أبوحمد قد عُرفت في الحلقات السابقة بأنها مدينة الذهب، وبوابة التجارة، ومشروعاً واعداً للصناعة، فإن لها وجهاً آخر لا يقل أهمية؛ وجهٌ يمتد عميقاً في جذور التاريخ، حيث تتقاطع الجغرافيا مع الحضارة، وتتحول الأرض من مجرد مساحة نعيش فوقها إلى صفحات مفتوحة من ذاكرة السودان.
أبوحمد ليست مدينة حديثة بلا جذور، بل تقع في منطقة ارتبطت منذ القدم بالحضارات التي قامت على ضفاف النيل، وفي مقدمتها الحضارة الكوشية التي تركت بصماتها العميقة في شمال السودان ووادي النيل.
وهنا تكمن قيمة أبوحمد الاستثنائية؛ فهي لا تقف على طريق الذهب والصناعة والتجارة فحسب، وإنما يمكن أن تكون بوابة سياحية وحضارية نحو عالم كوش، إذا أُحسن اكتشاف مواردها التاريخية والأثرية وتوظيفها ضمن مشروع متكامل للتنمية.
كوش… عندما كان السودان قلب الحضارة
عندما نتحدث عن كوش، فإننا لا نتحدث عن فصل هامشي في التاريخ، بل عن واحدة من الحضارات الكبرى التي نشأت في وادي النيل.
فمن أرض السودان قامت ممالك كوش، وتعاقبت مراكزها الحضارية، وازدهرت الزراعة والتجارة والصناعات والحرف والفنون، وأصبحت المنطقة جزءاً مؤثراً في تاريخ وادي النيل القديم.
ولذلك فإن استعادة الذاكرة الكوشية ليست مجرد استدعاء للماضي، وإنما يمكن أن تكون مدخلاً لصناعة مستقبل جديد يقوم على السياحة الثقافية والاقتصاد المعرفي وحماية التراث.
أبوحمد… الموقع الذي يجمع أكثر من ميزة
ما يميز أبوحمد أن عناصر التنمية فيها لا تعمل منفردة.
فهناك الذهب والثروات المعدنية، والنيل، والموقع الجغرافي، والطرق، والنشاط التجاري، والإمكانات الزراعية والصناعية، إلى جانب القرب من مناطق غنية بالآثار والتاريخ.
وهذه العناصر، إذا جرى التخطيط لها ضمن رؤية واحدة، يمكن أن تجعل من أبوحمد مركزاً اقتصادياً وسياحياً مهماً في شمال السودان.
فلماذا لا تصبح أبوحمد محطة رئيسية في طريق السياحة التاريخية التي تربط مواقع الحضارة الكوشية ببعضها؟
ولماذا لا تُنشأ فيها مراكز للتعريف بتاريخ المنطقة، ومتاحف صغيرة، ومراكز ثقافية، ومسارات سياحية، وأسواق للمنتجات التراثية والحرف اليدوية؟
إن الاستثمار في التاريخ لا يعني العودة إلى الماضي، بل يعني تحويل الماضي إلى قيمة اقتصادية وثقافية للأجيال القادمة.
من الذهب إلى المعرفة
المرحلة القادمة لا ينبغي أن تعتمد على استخراج الذهب والمعادن فقط.
فالثروة الحقيقية هي أن يتحول ما تحت الأرض، وما فوقها، وما تختزنه الذاكرة من تاريخ، إلى منظومة متكاملة من التنمية.
الذهب يمكن أن يُستخرج وينتهي، أما المعرفة والتراث والسياحة والصناعة فإنها تستطيع أن تصنع اقتصاداً مستداماً إذا أُديرت بعلم وتخطيط.
ومن هنا يمكن أن تتكامل أبوحمد الحديثة مع أبوحمد التاريخية؛ مدينة تعدين وصناعة وتجارة، ومدينة ثقافة وسياحة وتراث.
مشروع “بوابة كوش”
ولماذا لا نفكر في مشروع وطني كبير تحت عنوان:
“أبوحمد… بوابة كوش”
مشروع يجمع بين السياحة الأثرية، والتعريف بالحضارة الكوشية، وتطوير البنية التحتية، وإنشاء المتاحف والمراكز الثقافية، وتأهيل المواقع التاريخية، وتشجيع الاستثمار السياحي، وربط المنطقة بمسارات السياحة النيلية في السودان.
يمكن أن تتحول أبوحمد إلى نقطة انطلاق للزائر الذي يريد أن يكتشف السودان القديم؛ السودان الذي لم يكن مجرد أرض تعبرها الحضارات، بل كان صانعاً لحضارة عظيمة ومؤثراً في تاريخ وادي النيل.
المستقبل يبدأ من احترام الماضي
إن المدن التي تعرف تاريخها تستطيع أن تبني مستقبلها بثقة.
وأبوحمد تملك فرصة نادرة؛ فهي تستطيع أن تجمع في مشروع واحد بين ثروة الأرض، ومياه النيل، وقوة الصناعة، وحيوية التجارة، وعمق التاريخ.
وهذه ليست أحلاماً رومانسية، وإنما رؤية تنموية تحتاج إلى دراسات علمية، ومسح أثري متخصص، وتخطيط عمراني وسياحي، وشراكة بين الدولة والمجتمع والقطاع الخاص والجامعات ومؤسسات البحث العلمي.
فإذا كانت الحلقة الأولى قد فتحت نافذة على أبوحمد مدينة الأصالة والمعاصرة، وكانت الثانية قد قدمتها عاصمة للذهب وبوابة للتجارة، والثالثة رسمت ملامحها كمدينة صناعية كبرى، فإن الحلقة الرابعة تقول إن الطريق لا ينتهي عند المصنع أو المنجم أو السوق…
فهناك طريق آخر يقود إلى الحضارة.
طريق يبدأ من أبوحمد، ويمر عبر ذاكرة النيل، ويفتح أبوابه على عالم كوش.
أبوحمد… من بوابة الصناعة والتاريخ، إلى بوابة كوش.
وحين تتصالح المدينة مع تاريخها، لا يصبح الماضي عبئاً عليها، بل يتحول إلى قوة تدفعها نحو المستقبل.
د. ياسر أحمد إبراهيم