
دور الإدارة الأهلية المحوري في بناء سودان ما بعد الحرب: دعوةٌ للأمل والتعافي
شئ للوطن
م.صلاح غريبة
Ghariba2013@gmail.com
يمر السودان بفترة عصيبة تتطلب تكاتف جميع الجهود للخروج من أتون الحرب والدمار. في خضم هذه الظروف، تبرز أهمية الإدارة الأهلية كركيزة أساسية للتعافي الوطني وإعادة الإعمار. اللقاء الأخير بين رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس والمجلس الأعلى للإدارة الأهلية يؤكد هذا الدور المحوري، ويفتح آفاقًا واسعة لمستقبل يسوده السلام والاستقرار.
لقد دعا رئيس الوزراء بحكمة قيادات ورموز الإدارة الأهلية للقيام بدور بارز في مشروع حكومة الأمل، وهو مشروع طموح يهدف إلى تحقيق الاستشفاء الوطني وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، إضافة إلى إعادة صياغة البنية الاجتماعية. هذه الدعوة تأتي في وقت تحتاج فيه البلاد بشدة إلى حكمة الإدارة الأهلية وقدرتها على لم شمل المجتمعات وتهيئة البيئة الاجتماعية المناسبة لإنجاح الفترة الانتقالية.
تتمتع الإدارات الأهلية في السودان بتاريخ طويل من النفوذ والتأثير في مجتمعاتها. إنها تمثل حلقة وصل حيوية بين الدولة والمواطنين، ولها قدرة فريدة على حل النزاعات، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وتعبئة الجهود المحلية. هذه القدرة، التي تبرزها تصريحات رئيس الوزراء، ينبغي توظيفها بشكل كامل لصالح القضية الوطنية.
من المهم ملاحظة أن الحرب قد أفرزت تحديات جديدة تتطلب مراجعة شاملة لقانون الإدارة الأهلية، وهو ما أكده وزير الحكم الاتحادي محمد كرتكيلا. هذه المراجعة، بالإضافة إلى ورش العمل المخطط لها، ستسهم في تجويد عمل الإدارات الأهلية وتكييفها مع متطلبات بناء دولة القانون. إن تعزيز الإطار القانوني للإدارة الأهلية سيعزز من فعاليتها ويضمن مساهمتها البناءة في العملية السياسية والاجتماعية.
لم يقتصر النقاش على دور الإدارة الأهلية في إعادة الإعمار فحسب، بل امتد ليشمل مساهمتها في “حرب الكرامة” وجوانب الدبلوماسية الشعبية. إن قدرة الإدارة الأهلية على التواصل المباشر مع المجتمعات المحلية يمكن أن تكون أداة قوية في حل النزاعات، وتعزيز المصالحة، وتعبئة الدعم للقوات المسلحة والقوات المساندة.
كما تطرق وفد الإدارة الأهلية إلى أهمية مساهمتها الإيجابية في معالجة الأزمة الإنسانية، خاصة في دارفور. إن الإدارة الأهلية، بحكم قربها من المتضررين، يمكن أن تلعب دورًا حاسمًا في تنسيق جهود الإغاثة، وتوزيع المساعدات، وتحديد الاحتياجات الملحة للسكان. إن توافق اللقاء على ضرورة التنسيق والعمل مع القوات المسلحة والجهات المعنية لفك الحصار عن مدن مثل الفاشر وبقية المدن في دارفور وكردفان يؤكد هذا الدور الحيوي.
إن إشراك الإدارة الأهلية في مجلس السلم الاجتماعي، كما تم التوافق عليه، خطوة إيجابية نحو تحقيق سلام مستدام. إن خبرتهم في حل النزاعات المجتمعية ووساطته التقليدية يمكن أن تساهم بشكل كبير في بناء الثقة وتجاوز الانقسامات التي خلفتها الحرب.
في الختام، فإن دعوة رئيس الوزراء للإدارة الأهلية ليست مجرد مبادرة بروتوكولية، بل هي اعتراف عميق بالدور الحيوي الذي يمكن أن تلعبه هذه المؤسسة العريقة في مستقبل السودان. إنها دعوة للأمل والعمل المشترك، تؤكد أن التعافي الوطني وإعادة الإعمار لا يمكن أن يتحققا دون تضافر جهود جميع المكونات المجتمعية. فهل ستكون الإدارة الأهلية على قدر التحدي، لتؤدي دورها التاريخي في بناء سودان مزدهر ومستقر؟