
رؤية مالك عقار: تحليل معمق نحو سودان موحد آمن ومتطور
شئ للوطن
م.صلاح غريبة
Ghariba2013@gmail.com
يأتي اليوم العالمي لنزع السلاح، الذي تسعى الأمم المتحدة من خلاله إلى التوعية بمخاطر انتشار الأسلحة وضرورة الحد منها كمدخل للسلام والاستقرار، ليتقاطع بشكل لافت مع إطلاق الفريق مالك عقار إير، نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي ورئيس الحركة الشعبية “الجبهة الثورية”، لرؤية تأسيسية للسودان الجديد تحت عنوان: “نحو سودان موحد آمن ومتطور”. إن هذه الرؤية، التي تضع “نزع السلاح والمصالحة الوطنية” في صلب مشروعها، تمثل إطاراً تحليلياً غنياً لفهم التحديات العميقة التي تواجه الدولة السودانية والإمكانيات المتاحة لتجاوزها، خاصة في ظل الأزمة الراهنة.
تكمن القيمة التحليلية لرؤية مالك عقار، بالتزامن مع الدعوات العالمية لنزع السلاح، في أنها تربط بشكل مباشر وحاسم بين الترتيبات الأمنية والتحول السياسي الديمقراطي. ففي الوقت الذي يدعو فيه اليوم العالمي لنزع السلاح إلى التخلي عن العنف كوسيلة لحل النزاعات، تقترح المبادرة السودانية خطة عمل واضحة تنص على أن نزع السلاح هو شرط للتحول السياسي، حيث أكد عقار على ضرورة أن “تباشر القوات المسلحة تنفيذ إجراءات نزع السلاح وإعادة دمج المقاتلين”، بما يتيح للحركات المسلحة “التحول إلى تنظيمات سياسية مدنية قبل الدخول في أي عملية انتخابية”. هذا الطرح يمثل اعترافاً بأن استدامة العملية الديمقراطية لا يمكن أن تتحقق في بيئة تتعدد فيها الجيوش والولاءات المسلحة، وأن تحويل القوة العسكرية إلى قوة سياسية مدنية منظمة هو المدخل الوحيد للشرعية الانتخابية السليمة.
الجيش ضامن وليس طرفاً معرقلاً، فيشدد الطرح على أن الجيش يجب أن يكون “الضامن الأساسي للفترة الانتقالية”، وهو ما يعيد تحديد دور المؤسسة العسكرية لتكون حامية للاستقرار والعملية السياسية، وليس طرفاً متنافساً أو معرقلاً لها. هذا المفهوم يتماشى مع المبادئ الأساسية للدولة الحديثة التي تحصر استخدام القوة في يد سلطة مركزية شرعية.
لا تكتفي رؤية عقار بوضع حلول أمنية، بل تتعمق في البناء السياسي والمجتمعي، مقترحة مساراً مزدوجاً يقوم على المصالحة الوطنية المجتمعية الشاملة ركيزة للتعايش وتأسيس مؤسسات الدولة، فإن الدعوة إلى “إجراء مصالحات مجتمعية واسعة تهدف إلى تعزيز التعايش السلمي بين مختلف مكونات المجتمع السوداني” تُعبر عن فهم عميق بأن الحرب الأخيرة تركت ندوباً اجتماعية لا يمكن أن تُمحى بقرار سياسي. المصالحة المجتمعية، ونزع السلاح من أيدي “المجموعات المسلحة، سواء تلك المناوئة للتمرد أو المؤيدة له”، هي عملية لا غنى عنها لبسط الأمن والاستقرار الحقيقي. هذا المسار يؤكد أن السلام المستدام ينبع من القواعد الشعبية ويستلزم معالجة “التوترات المجتمعية” كأولوية قصوى.
تعتبر المؤسسات التأسيسية خارطة طريق للمستقبل، وتمثل فكرة إنشاء ثلاث لجان قومية (لجنة المؤتمر الدستوري، لجنة صياغة الدستور، لجنة التحقيق في جرائم أبريل 2023) آلية عملية للانتقال من حالة الفراغ التشريعي إلى بناء دولة المؤسسات، وربط تأسيس الدولة بالتحقيق في انتهاكات وجرائم الحرب وصياغة مشروع “لتحقيق العدالة الجنائية والانتقالية” يضع مبدأ المحاسبة كحجر أساس لبناء الثقة. فـ “ترسيخ مبدأ المحاسبة” هو الضمان لعدم تكرار العنف وتعزيز “ثقة المواطنين في العملية السياسية”، بجانب الدعوة إلى “عملية تشاور واسعة النطاق تشمل جميع القوى السياسية والمجتمعية والشبابية” تؤكد على مبدأ الشمول الكامل، وتحذر من “الاستعجال في إجراء الانتخابات”، الذي قد يكرس مكاسب سياسية ضيقة على حساب المصلحة الوطنية. هذا المسعى يهدف إلى تجاوز حالة “الاستقطاب الحاد” نحو “توافق وطني حقيقي”.
في المحصلة، لا تمثل مبادرة مالك عقار مجرد خطة سياسية، بل هي رؤية تأسيسية شاملة تتواءم مع روح اليوم العالمي لنزع السلاح. هي تضع خارطة طريق واضحة مفادها إن الأولوية التي تمنحها الرؤية لـ الترتيبات الأمنية والتشاور الشامل قبل الانتقال إلى صناديق الاقتراع هي اعتراف بأن البناء الشكلي للديمقراطية دون معالجة الجذور المسلحة والاجتماعية للنزاع هو وصفة للفشل المتكرر. المبادرة تسعى لتأسيس سودان “موحد، آمن، ومتطور” يقوم على العدالة الاجتماعية، والتنمية المستدامة، والتعددية الثقافية، معتبرة أن نزع السلاح ليس هدفاً أمنياً فحسب، بل هو المدخل الأكيد لإعادة بناء الدولة السودانية على أسس من الوحدة والعدالة.