
تأملات
جمال عنقرة
لم أكن أعلم سببا موضوعيا يجعلني أتباطأ في كتابة مقال عن ملحمة رسالة الماجستير التي قدمها أخي العزيز الأستاذ راشد عبد الرحيم يوم الثاني عشر من شهر اكتوبر هذا في معهد البحوث والدراسات الاستراتيجية بجامعة أم درمان الإسلامية، بعنوان ” المنظور الاستراتيجي لتناول الصحافة المصرية لقضايا السودان – الأهرام واليوم السابع نموذجا” فلم أعلم سببا لهذا التأخير، وكنت قد قررت الكتابة عن هذه الحالة الملحمة قبل أن ينفض سامرها، لكنني أدركت اليوم فقط أن الله سبحانه وتعالي القادر الفعال، ألجم قلمي حتى ألتقي يوم أمس الخميس السفير هاني صلاح مساعد وزير الخارجية المصري للسودان وجنوب السودان علي هامش اجتماعات المعابر بين البلدين، وكنت قد سمعت عنه كثيرا ولم أره غير الأمس، ونقل لي السفير هاني خلال اللقاء العارض بشارة هي أعظم ما بشرت به قريبا، وبعيدا كذلك، فبشرني بدنو أجل تحقيق المرحلة المهمة من حلمي العظيم، تكامل شامل بين البلدين والشعبين الشقيقين السودان ومصر، ثم وضع علي صدري وساما عظيما، وزاد من عظمته أن ذلك تم في حضرة السفيرين العظيمين الصديقين العزيزين، السفير محمد الياس سفير السودان في مصر، والسفير حسام عيسي سفير مصر في السودان، وذلك كله يأتي دعما وتتويجا لأبواب البحث والنظر الاستراتيجي لقضايا السودان ومصر، التي فتحتها رسالة أخي الحبيب راشد.
وقبل الحديث عن رسالة راشد الملحمة الراشدة لا بد أن نتحدث عن راشد نفسه، ولا أحسب أنه يوجد من اتيحت له معرفة راشد مثلي، فصلتي المباشرة معه بدأت منذ بضعة وأربعين عاما متصلات، لم تنقطع، ولم تنفصل، ولم تقف عن حد واحد، وكانت معرفتي الأولى به عندما لحق بنا في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي في مصر للجلوس لامتحان الشهادة الأزهرية، وكان قد جاء إلى هناك ملتزما في الحركة الإسلامية منذ أن كان طالبا في المدرسة الثانوية، وكان فائض زمن طلاب الشهادة الأزهرية يتيح لهم وقتا أطول للمشاركة في النشاط الطلابي والتنظيمي، وأذكر من زملائه الحبيبين الوزير السمؤال خلف الله القريش، والسفير عبد الله أحمد عثمان، وراشد – موضوع حديثنا – كان يجسد الحالة السودانوية حق تجسيد، ولعل كثيرون لا يعلمون أن إسمه “راشد” هو الاسم الحركي للزعيم الشيوعي السوداني عبد الخالق محجوب له الرحمة والمغفرة، وعبد الخالق اختار اسم راشد اسما حركيا له، تيمنا بالشيوعي المصري راشد البراوي، الذي ترجم كتاب رأس المال لكارل ماركس للغة العربية، واختار عم عبد الرحيم اسم راشد لمولوده تيمنا بالزعيم الشيوعي السوداني عبد الخالق محجوب، لعله يكون مثله، ويسير في دربه، وكان عم عبد الرحيم شيوعيا ملتزما.
ولا تتجسد العبقرية السودانوية وحدها في أن راشد يختار له والده اسم أشهر قيادي شيوعي، فيخرج إسلامي، ولكن العبقرية تكمن أولا في سودانوية بيت عم عبد الرحيم الذي يتعايش فيه أهله في مودة ووئام رغم الإختلاف السياسي، وكنا نجد في بيتهم راحتنا أكثر مما نجدها في بيوت أخري كان الظن أنها أقرب.
وليست الحركة الإسلامية والصحافة والوسطية والسودانوية وحدهم الذين يجمعوني مع أخي راشد، فلقد تكاثفت عوامل وأسباب كثيرة وثقت علاقاتنا، فكان يسكن جاره أخي وزميلي وصديقي الذي لم يسقط من ذاكرتي رغم مرور أكثر من أربعين عاما علي رحيله، أخي المرحوم كمال أحمد آدم، وليس بعيدا عنهم يسكن شيخنا وصديقنا وقريبنا الشيخ إبراهيم السنوسي فك الله أسره، وبجواره يسكن أبناء عمنا حسن صديق، وكانت بيننا معزة خاصة – ولا تزال – وبينهم مصاهرة مزدوجة مع الأخ راشد، وعلي بعد محطتين منهم تسكن أختنا علوية فضل الموالي ريحان أرملة ابن خالتي المرحوم جابر بشير، عم إبننا سعادة الفريق أول ركن شمس الدين كباشي لزم، فكانت لا تمر ثلاثة أيام دون أن أذهب إلى امتداد ناصر، ولا اذهب الى امتداد ناصر دون أن أمر علي كل تلك الديار. ولما تزوج راشد من أختنا الدكتورة سلوي حسن صديق، زاد علي ما بيننا، دون أن يحدث خلط أو اختلاط، وأذكر عندما رشحت لمكتب المناشط في أمانة طلاب الحركة الإسلامية الإتحادية، في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وكان قد بلغني بهذا الترشيح الأخ راشد، وكنت أول من يرشح من خريجي مصر للتفرغ للعمل التنظيمي في أمانة الطلاب وتم ذلك بتوصية من الشيخ الترابي له الرحمة والمغفرة، وكان معجبا بتجربتنا في مصر، فجمعت كل مسؤولي المناشط في الجامعات والمعاهد العليا، وعند التعارف قدم لي أحدهم بأنه ممثل كلية البنات جامعة أم درمان الإسلامية، فاستبعدته، ودخلت الجامعة بنفسي، وكان مدخلي لها اختى سلوي حسن صديق، وعن طريقها شكلت أقوي شبكة عمل مناشط كان بين نجومها معها، الأخوات زينات علي يوسف أرملة الشهيد الدكتور خليل إبراهيم، وسعاد عبد الله زوجة السفير عطا المنان بخيت، والمرحومة جميلة عوض الطيب زوجة الأخ عوض جادين، وكوثر كامل زوجة الأخ أسامة ميرغني.
وبالعودة إلى موضوع الرسالة التي رعاها البروفيسور أمين إبراهيم آدم، مدير المعهد خير رعاية واحتفي بها احسن احتفاء، وأشرفت عليها الدكتورة منال عباس، وكان الممتحن الداخلي أستاذ الأجيال أستاذنا العظيم العالم الجليل البروفيسور علي محمد شمو، والممتحن الخارجي الدكتور صالح عبد الله، فهي كما ذكرت، وكما قال كثيرون لم تكن مجرد رسالة ماجستير استحق عليها الأستاذ راشد عبد الرحيم تقدير امتياز بجدارة واستحقاق، ولكنها كانت ملحمة، ويكفيها شرفا تواضع بروف شمو بالمشاركة في مناقشتها، وتقديم عصارة علمه وتجاربه، وكان شهودها عشرات من نجوم الصحافة والإعلام في بلدنا، كلهم يشار إليهم بالبنان، وأعتقد أن أهم ما قدمه الأستاذ راشد في رسالته أنه لفت الانظار إلى قضية مهمة جدا، وهي قضية الإعلام في شأن العلاقات السودانية المصرية، فرغم أنه هناك شبه إتفاق أنه لا توجد لدي السودان نظرة استراتيجية للتعامل مع مصر، لا في مجال الإعلام، ولا في غيره، ورغم أن مصر تنظر بعيدا في شأن علاقتها بالسودان والسودانيين، إلا أن كثيرا من وسائط الإعلام المصرية تفتقد هذه النظرة، وأعتقد أن رسالة الأستاذ راشد أتت في وقتها، وكان البروفيسور علي شمو قد أشار إلى ذلك، وتزامنت الرسالة مع بشارات السفير هاني صلاح التي أشرت لها، وهذا ما يدعو الجميع للتشمير عن سواعد الجد، وعلي المستوي الشخصي شجعني ذلك للتحرك لتنفيذ مشروع ندوات عن قضايا العلاقات السودانية المصرية، اعددناها في مركز عنقرة للخدمات الصحفية، ووعد صديقنا الحبيب المستشار أحمد عدلي القنصل العام المصري في السودان علي استضافتها في قاعة وادي النيل بالقنصلية، وكنا قد اتفقنا أن تكون الندوة الأولي عن قضايا الصحافة والإعلام، ووافق أستاذنا الجليل المحب الاستراتيجي للسودان الأستاذ عبد المحسن سلامة رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام علي المشاركة فيها، وفي الجانب السوداني أستاذنا بروف علي شمو، والبقية تأتي بإذن الله تعالي