
رحيله خلّف حالة من الحزن في الأوساط الإعلامية والمجتمعية،، “المهندس بختان”.. ويبقى الأثر.. ذهب يعيد صوت الوطن من بورتسودان إلى الخرطوم.. المهمة الأخيرة.. زملاؤه يستعيدون مواقف مهندس واجه أعقد الأزمات الفنية .. هدوء ومهارة.. رفض مغادرة السودان وظل يعمل رغم المرض.. عشق وتفاني.. مجلسا السيادة الوزراء ينعيانه..مطالبات برعاية أسرته.. تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..
رحيله خلّف حالة من الحزن في الأوساط الإعلامية والمجتمعية،،
“المهندس بختان”.. ويبقى الأثر..
ذهب يعيد صوت الوطن من بورتسودان إلى الخرطوم.. المهمة الأخيرة..
زملاؤه يستعيدون مواقف مهندس واجه أعقد الأزمات الفنية .. هدوء ومهارة..
رفض مغادرة السودان وظل يعمل رغم المرض.. عشق وتفاني..
مجلسا السيادة الوزراء ينعيانه..مطالبات برعاية أسرته..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..
سادت حالة من الحزن والأسى الأوساط الإعلامية والمجتمع السوداني، إثر الرحيل المفاجئ للمهندس إبراهيم بختان، مدير الإدارة العامة للهندسة بالتلفزيون القومي، الذي وافته المنية بمدينة بورتسودان خلال مهمة عمل رسمية، بعد سنوات طويلة أفناها في خدمة هندسة البث والتلفزيون، وتحوّل رحيل بختان إلى مناسبة لاستعادة سيرة رجل ظل حاضراً عندما تتعقد الأمور، هادئاً تحت الضغط، ومتواضعاً رغم خبرته ومكانته المهنية، تاركاً أثراً تجاوز حدود الوظيفة إلى علاقات إنسانية ومهنية امتدت لعقود.
حزن كبير:
وترك رحيل إبراهيم بختان فراغاً كبيراً في أوساط زملائه وأصدقائه، لا سيما أن وفاته جاءت بصورة مفاجئة وهو في مهمة عمل ببورتسودان، واستعاد من عرفوه عن قرب صورة إنسان طيب ونقي القلب، بشوش، واسع الاطلاع، وقادراً على التعامل مع أصعب المواقف بهدوء واتزان، ويجمع زملاؤه على أن خبرة بختان الطويلة لم تغيّر من تواضعه وقربه من الآخرين، فقد كان يقدم النصح والمساعدة، ويمنح من وقته وعلمه دون انتظار مقابل، حتى غدا في نظر كثيرين أخاً وصديقاً ومعلماً وسنداً، الأمر الذي جعل رحيله خسارة إنسانية ومهنية في آن واحد.
رفض طريق الاغتراب:
لقد اختار المهندس إبراهيم بختان البقاء في السودان، رغم ما أتاحته له خبرته وكفاءته من فرص للعمل خارج البلاد، فقد كان التلفزيون بالنسبة إليه أكثر من وظيفة، كان مؤسسةً أحبها وانتمى إليها، وعاش تفاصيلها بين الاستديوهات والأجهزة والكاميرات وعربات النقل، وظل بختان حاضراً في المهام الصعبة، خصوصاً عندما تضيق الخيارات ويصبح الوقت أقل من حجم المسؤولية، مقدماً خبرته لخدمة مؤسسته ووطنه، ومؤكداً أن الانتماء عنده لم يكن شعاراً، وإنما ممارسة يومية.
رجل المهام الصعبة:
ولعل من أكثر المواقف التي تختصر شخصية المهندس إبراهيم بختان ما رواه المخرج محمد سليمان محمد الحسن عن الاستعداد لنقل مباراة مصر والجزائر الفاصلة التي أقيمت باستاد المريخ بأم درمان عام 2009م، حيث كان جهاز الإعادة في عربة التلفزة قد تعطل، فيما لم تنجح كل المحاولات التي قام بها المهندسون في توصيل جهاز بديل موجود في عربة ART إلى ديسك الإخراج، ولم يتبقَّ على انطلاق المباراة سوى ست ساعات، في تلك اللحظة، لجأ الفريق إلى إبراهيم بختان، ويقول محمد سليمان إن وصوله وحده إلى الموقع بعث التفاؤل في نفوس الجميع؛ إذ دخل إلى قلب المشكلة بهدوء وثقة، وبدأ يفحص التوصيلات ويبحث عن الخلل، دون أن يستسلم لضغط الوقت، وبعد محاولات متواصلة نجح بختان في إيصال الصورة إلى ديسك الإخراج، لتُستكمل عملية نقل المباراة بصورة ناجحة، ويوكد المخرج محمد سليمان أن نجاح المهندس بختان في إصلاح العطل، لم يكن مجرد إنجاز تقني، فجهاز الإعادة يمثل أحد العناصر الأساسية في النقل الرياضي، ويمنح المخرج القدرة على إعادة الأهداف واللقطات المهمة من زوايا مختلفة، مبيناً أن ذلك الموقف، كان نموذجاً لشخصية بختان: رجل يظهر عندما تتعقد الأمور، ويمنح من حوله الثقة بأن لكل أزمة حلاً.
مدرسة مهنية:
وعلى مدى عقود، أسهم إبراهيم بختان مع زملائه في استجلاب وتركيب وتشغيل وصيانة الأجهزة والمعدات التلفزيونية، وكان أحد رواد النهضة الهندسية في مجال البث بالسودان، كما شارك في إنشاء وتصميم ووضع مواصفات عدد من القنوات والمؤسسات والمراكز الإعلامية، وامتد عطاؤه إلى مؤسسات الدولة، من بينها رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء، وظل مرجعاً لأقسام الهندسة بالتلفزيون القومي، وسنداً لأجيال من المهندسين والعاملين في القنوات الفضائية السودانية، وخلال الحرب، واجه المهندس إبراهيم بختان ظروفاً صحيةً قاسية وخضع لعملية كبيرة، لكن ذلك لم يبعده عن العمل، بل ظل مع زملائه وأسهم في تشغيل تلفزيون السودان من بورتسودان، قبل أن ينتقل إلى مرحلة إعادة إعمار وتشغيل استديوهاته بأم درمان بعد تعرضها للدمار، وشارك في صيانة وتركيب أجهزة وشاشات الاستديوهات الحديثة، ضمن جهود إعادة التلفزيون إلى أداء دوره.
رحلة غير عادية:
ولم تكن رحلة بختان إلى بورتسودان الأخيرة رحلة عادية، فقد غادر الخرطوم برفقة فريق هندسي لاستكمال ترتيبات استرجاع ما تبقى من أجهزة تلفزيون السودان، خصوصاً التجهيزات المرتبطة بغرفة البث الرئيسة، وإعادتها إلى الخرطوم، كان بختان يعمل على استكمال رحلة عودة المؤسسة إلى مقرها، وعلى أن يعود صوت التلفزيون من أم درمان كما كان، لكن يد المنية كانت أسرع، فقد أصيب بختان بوعكة صحية مفاجئة في بورتسودان، ونُقل إلى المستشفى، قبل أن يسلم روحه إلى بارئها، لتنتهي حياته في المكان الذي كان يؤدي فيه آخر واجب مهني له، ولعل في هذه النهاية، تكمن مفارقة مؤثرة، فقد أمضى بختان زهرة شبابه بين أروقة التلفزيون، ثم جاءت مهمته الأخيرة من أجل إعادة أجهزته إلى الخرطوم، فرحل قبل أن يرى اكتمال المهمة التي خرج لإنجازها، لكنه كان قد قطع مع زملائه شوطاً كبيراً في طريق العودة.
اعتراف رسمي:
ويرى الكثير من المراقبين أن نعي مجلس السيادة ومجلس الوزراء للمهندس إبراهيم بختان، قد حمل في طيّاته دلالات تتجاوز كلمات الرثاء، إذ استذكر المجلسان مسيرته الطويلة وإسهاماته في خدمة التلفزيون القومي ومؤسسات الدولة، ودوره في إعادة إعمار وتشغيل استديوهات الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون بأم درمان، فضلاً عن مهمته الأخيرة في بورتسودان، ويعكس هذا التقدير الرسمي حجم الأثر الذي تركه رجل عمل معظم حياته خلف الكاميرات، لكنه أسهم في صناعة واحدة من أهم أدوات الدولة الإعلامية، بيد أن التقدير، في حالة بختان، ينبغي ألا يتوقف عند النعي، فوفاته وقعت أثناء أداء مهمة عمل رسمية، الأمر الذي يضع أمام الدولة ومؤسساتها مسؤولية أخلاقية ووطنية تجاه أسرته، عبر حفظ حقوقها ورعايتها بما يليق بما قدمه الفقيد من سنوات عمره وعلمه وجهده، كما أن إطلاق اسمه على أحد الاستديوهات أو المرافق الهندسية بالتلفزيون القومي، أو إنشاء جائزة للتميز في الهندسة التلفزيونية باسمه، يمكن أن يمثل تكريماً مستحقاً ويحفظ سيرة المهندس بختان للأجيال المقبلة.
خاتمة مهمة:
لقد رحل إبراهيم بختان، لكن الأثر بقي في ذاكرة من عرفوه، وفي الأجهزة والاستديوهات التي أسهم في تشغيلها وإعادة الحياة إليها، وفي أجيال من المهندسين الذين نهلوا من خبرته، وفي مؤسسة أفنى فيها زهرة شبابه، رحل الرجل الذي اختار البقاء حين كان الرحيل ممكناً، وواصل العمل حين كان المرض يدعوه إلى الراحة، وانتهت رحلته وهو يؤدي مهمة لإعادة تلفزيون السودان إلى الخرطوم، كان عاشقاً للتلفزيون، وفياً لمهنته، مخلصاً لوطنه، ورجل مهام صعبة حتى اللحظة الأخيرة.. ألا رحم الله المهندس إبراهيم بختان رحمة واسعة، وجعل علمه وعمله وعطاءه في ميزان حسناته، وألهم أسرته وزملاءه ومحبيه الصبر وحسن العزاء.