
رد على مقال الأستاذ جمال عنقرة: “الورقة الغائبة”
بقلم: الهادي سعيد هدي أحمد
قرأت بكثير من التقدير مقال الأستاذ الكبير جمال عنقرة حول “الورقة الغائبة” في ورشة مناقشة قانون الصحافة والمطبوعات، وقد وجدت فيه صوتاً صادقاً من داخل البيت الصحفي، يسائل التشريعات ويطالب بأن تتجاوز أدوار الدولة حدود “الرقابة والتحصيل” إلى ساحات “الصناعة والتطوير”، وهو طرح نادر ومهم في سياق يغيب فيه الوعي الاستراتيجي تجاه مستقبل الصحافة السودانية.
وليس غريباً أن يأتي هذا الصوت من الأستاذ عنقرة، وهو أحد القامات الصحفية المعروفة بريادتها ومواقفها الجريئة، ودورها المستمر في توجيه البوصلة نحو صحافة وطنية مسؤولة. لكن مع كل الاحترام لهذا الطرح، فإن هناك جانباً آخر يجب أن نضعه على الطاولة بشفافية وشجاعة، وهو ضعف أداء الجسم الصحفي نفسه من الداخل.
١. *أزمة المهنة قبل التشريع*
صحيح أن الدولة لم تفِ بدورها في تطوير البنية التحتية للصحافة، لكن من الإنصاف أن نقول إن كثيراً من الصحفيين لم يكونوا على مستوى ما يُنتظر منهم كممارسين لمهنة ترتبط بمسؤولية عظيمة أمام الله والمجتمع. لقد تحولت بعض المنصات إلى مساحات للشو الإعلامي، والتضخيم، وتقديم الرأي الشخصي كأنه خبر موثق، بل والأدهى أن بعض “الأخبار” تنشر بناءً على مصادر شفهية لا يعتد بها ولا يُعرف مدى مصداقيتها، مما يُفقد الصحافة مكانتها كمصدر موثوق للمعلومة.
يقول الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا” [الحجرات: 6]،
وهذه دعوة قرآنية مباشرة للتحقق من المعلومة قبل بثها، وهو جوهر العمل الصحفي الحقيقي.
٢. *الصحفي بين الحرية والمسؤولية*
إن ربط بعض الصحفيين أنفسهم بتوجهات حزبية أو أيديولوجيات سياسية ضيّقة، جعل من بعض الأقلام أدوات تخدم أجندات بعينها، بدلاً من أن تكون عيناً للمجتمع ولساناً للناس. إن الصحافة، كما أرادها الله ورسوله، وكما عرّفتها المواثيق المهنية، مهنة حرة شريفة تقوم على:
• النقد البناء لا التشهير
• التحقيق لا الاتهام
• الموضوعية لا الانحياز
• الصدق لا الإثارة
وفي هذا السياق، نجد أن القرآن الكريم قد رسم لنا مبدأ أساسياً في العمل الإعلامي:
“وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا” [الإسراء: 36]
أي لا تتبع ما لا تعلم حقيقته، لأنك ستُسأل عن ذلك أمام الله والناس.
٣. *التحديات الاقتصادية لا تبرر الانحراف*
ندرك أن أوضاع المؤسسات الصحفية مزرية، وأن رواتب الصحفيين لا تكفي لتأمين أساسيات الحياة، لكن شح الدخل ليس مبرراً للتفريط في القيم المهنية، بل هو تحدٍ يدفعنا لمضاعفة الجهد والإبداع في إيجاد حلول بديلة تضمن الاستقلالية والكرامة.
٤. *مناشدة للمجتمع والدولة والمهنيين*
• إلى الدولة: نضم صوتنا للأستاذ جمال عنقرة في المطالبة بدعم بنية الصحافة وتحريرها من العقلية العقابية.
• إلى المجتمع: لا بد من احترام الصحافة والوقوف معها عند محاربتها، بشرط أن تكون ملتزمة بمبادئ النزاهة والمهنية.
• إلى زملائنا الصحفيين: فلنراجع ذواتنا، ونجعل معيارنا الأول هو الصدق، لا السبق. الحقيقة، لا الإثارة. المصلحة العامة، لا الحزبية الضيقة.
*ختامًا:*
إن الصحافة ليست مجرد مهنة، بل أمانة ورسالة، ولن تنهض هذه الرسالة في السودان إن بقيت الصحافة بين مطرقة الإهمال الحكومي وسندان الانحراف المهني.
وما لم نتحرّ جميعاً، دولة ومجتمعاً وصحفيين، الحقيقة لوجه الله، فسنظل نراوح مكاننا.
“وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا” [طه: 114]
لأن الصحافة الحقّة تبدأ بطلب العلم والصدق، لا بالهتاف أو التبعية.
والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.
الهادي سعيد هدي أحمد
جدة – 28 مايو 2025م