
رمضان محجوب.. يكتب : أنواء الروح.. شهادة قلم عاصر الانكسار الحلقة 48 ضمائر مستباحة..!!
رمضان محجوب.. يكتب :
أنواء الروح.. شهادة قلم عاصر الانكسار الحلقة 48
ضمائر مستباحة..!!
▪️ هذه الأيام الحالكة التي تتسابق فيها المدافع على تمزيق كل زاوية، لم تكن نيران الحرب وحدها ما يفطر قلوبنا، بل تلك الوجوه التي خلعت عنها ثوب الإنسانية لتكشف عن أنياب تجار الأزمات؛ فلم يكن في خاطري قط أن يبلغ الانحطاط ببعض بني جلدتنا هذا المبلغ، فتختزل أنفاس المحاصرين ودموع الهاربين من الموت في أرقام صماء تدون في دفاتر ربح دنيئة يبيعون بها ما تبقى من ضمائرهم بأبخس سعر، وكأن رحى الحرب ما دارت إلا لتكون موسماً لغنم الثروات فوق جثث الضحايا، في مشهد لن يطويه النسيان ولن يمحوه كر الأيام.
▪️ وفي خضم شح العيش وقصر ذات اليد، اضطرت أسر أرهقها القهر لبيع أثاث بيوتها ورفات ذكرياتها ثمناً لتذكرة تهرّبهم من جحيم الموت، وهناك عند بوابات النزوح ترصدتهم عيون الشجعان لتقايضهم على ذهب الأمهات وعهد الآباء بثمن بخس، كأنهم سباع لا تفرق بين حي وميت؛ نظرات جفت منها ينابيع الرحمة واستبدلت بها لغة الحسابات الجشعة التي تقتات على وجعنا كما يأكل الحطب في الهشيم، لتترك المنكوبين بين مطرقة الفقر المدقع وسندان نيران لا تبقي ولا تذر.
▪️ هكذا تحولت تذاكر السفر بين أيديهم إلى بضائع نادرة تحتكرها شبكات منظمة تلعب بالأسعار كيف شاءت، وكأننا في سوق نخاسة نقايض فيه على أطواق النجاة؛ ومن هذا المنعطف المرير تقطعت السبل بعائلات عجزت عن مواجهة تغول هؤلاء السماسرة، فظل الناس أسرى مناطق الموت والمليشيا ينتظرون القدر كل صباح، فأي وزر أعظم من أن تُتخذ حياة الإنسان سلعة تباع في مزاد الطمع؟
▪️ ولم يكتفوا بسلب حق السفر، بل امتدت أيديهم لتطال قوت العيال ودوام العافية، فرغيف الخضرة ودواء المريض باتا يشتريان بأثمان تذهل العقول، لنقتتل نحن بين موت بالقصف وموت بالجوع؛ ولنا في أسواق الجزيرة والصفوة عبرة حيث تحلّق الأسعار في سماء الفاحشة، فإذا رام المحاصر شراء حبة دواء أو رطل سكر صدمه برود تاجر ضاعف الثمن أضعافاً بحجة وعورة الطريق ومخاطر النقل.
▪️ وحتى أموال المغتربين التي كانت طوق النجاة الوحيد لمن تبقى بالداخل لم ترعَ فيها ذمة، إذ اتخذوا من توقف المصارف فرصة لنهب مدخرات الأهل بخصومات باهظة، وزاد الطين بلة تمرّغهم في استغلال شاشات الهواتف عبر التطبيقات البنكية لفرض عمولات فلكية تجلت في صور ربا سافر تستنزف آخر قطرة في جيب المرسل إليه، ليقف المرسل مقهوراً والمستقبل باكياً.
▪️ وفي المقابل، كان نبض الضمير الحي يضيء عتمة الأسواق عبر وجوه طاهرة أبت أن تلوث أيديها بدماء الناس، فهناك تاجر عفيف ظل يبيع سلعته بسعر تكلفتها أو بهامش يسير لا يغطي كلفة متجره محتسباً عمله تضامناً، وآخرون فتحوا هواتفهم وحساباتهم لنقل أموال الأهل بلا أدنى عمولة مسجلين وقفة شرف ونبل تحفظها الذاكرة؛ فهؤلاء هم جوهر هذا الشعب الأصيل لا أولئك الطفيليات الذين أعمى بصائرهم شبق المال.
▪️ هذا الجشع المنهج ليس مجرد هفوة فردية، بل هو جريمة كاملة الأركان ولدتها رقة الدين وموت الضمير، حتى صار التاجر ينظر إلى جاره المنكوب نظرة الذئب لفريسته؛ وليت هؤلاء يعلمون أن ما يجمعونه من دموع المحتاجين لن يعقب إلا الهوان، فالدار زائلة وغداً تضع الحرب أوزارها وسيبقى عار الخيانة يلاحقهم في كل محفل، فلا التاريخ ينسى من باع أهله في ساعة العسرة ولا الناس يغفرون لمن استغل آلامهم.
▪️ ضيق الخناق اليوم بلغ مداه، والمليشيا تعيث في الدور فساداً بينما ينحرنا تجار الأزمات من الوريد إلى الوريد، فهذا الحصار المزدوج أفرغ الصدور من الأمل وجعل البقاء معركة كرامة قاسية؛ هؤلاء الطفيليات أشد خطراً على المجتمع من رصاصات الغدر، يمارسون سرقتهم بدم بارد تحت يافطة التجارة وهمهم الأكبر إطالة أمد الموت طالما سالت في دروب الخراب أرباحهم.
▪️ آن الأوان لنرفع أصواتنا بلا خوف لتعريتهم ووضعهم في مواجهة حقيقتهم أمام الناس، فالتغاضي عن جرائمهم شراكة صريحة والسكوت عن أكلهم للسحت يقودنا إلى شريعة الغاب؛ فلنكتب ولنشير إليهم بالبنان، فمن هان عليه عرضه وشرفه بثمن بخس لا يستحق الاحترام، ومن استباح دم أخيه وكسرة خبزه في زمن الحرب لا ينتسب لهذا التراب بصلة.
▪️ وأما أولئك الذين تكالبت أموالهم في ليلة ظلماء على أكوام المأساة، أيهنئون بما سرقوا حقاً؟ أنين الأرامل ودموع اليتامى ستلاحقهم في مقامهم ومطرحهم؛ وما كتبنا هذه السطور تشفياً، بل لنشهد التاريخ أن في هذا الوطن بقية صالحة من الشرفاء الذين يرفضون الحرام وسيحاسبون البغاة عاجلاً أم آجلاً، سلبونا كل شيء لكنهم عجزوا عن النيل من كرامتنا الراسخة عزة فوق الجراح.
▪️ ومهما اشتدت الخطوب، سنظل على يقين بأن للحق جولة، وأن من شيد أمجاده فوق أنقاض الوطن سيهوي حين ينهض هذا الشعب من رماده؛ مطالبون بعهد أخلاقي جديد يعيد للإنسان اعتباره ويرفض أن يكون الجوع أداة لإذلاله، حتى ينكشف هذا الليل البهيم، ويعلم كل طفيلي أن السودان لا يطيب إلا بأهله الأبرار الأطهار.
نواصل