
زيارة فريق سانتوس للسودان
حصاد الألسن
عبدالله مسعود
تمر اليوم (التاسع عشر من فبراير 2024م) الذكرى الحادية والخمسون للزيارة التاريخية لفريق سانتوس البرازيلي بقيادة المعجزة إديسون أرانتس دو ناسيمينتو الملقب ببيليه.
خلال النصف الأول من السبعينيات هيمنت الأندية البرازيلية على اللعبة الشعبية على مستوى الأندية العالمية والمنتخبات الوطنية وقد أسلست الفرق العالمية قيادها لفريق سانتوس. كان فريق سانتوس يضم نخبة من نجوم المنتخب البرازيلي الفائز بكأس العالم عام 1970م وعلى رأسهم ملك الكرة، الجوهرة السوداء بيليه وكابتن المنتخب البرازيلي كارلوس البرتو قائد فريق سانتوس، والظهير الطائر كلودو الدو وغيرهم من الأساطين.
في عام 1973م قام فريق سانتوس بجولة في قارتي آسيا وأفريقيا، حيث لعب عدداً من المباريات لم يُهزم فيها، مقدماً أروع العروض مما حدا بإدارة نادي الهلال إلى تقديم الدعوة لفريق سانتوس لزيارة السودان واللعب أمام الهلال.
كان لسكرتير الهلال وقتئذ المهندس عبدالله عثمان السماني القدح المعلى في إقناع إدارة سانتوس للعب مباراة واحدة ضد الهلال.
قبل وصول فريق سانتوس إلى السودان لعب الفريق البرازيلي (6) مباريات جاءت نتائجها كالآتي:
فاز على فريق النصر الإماراتي 4/1 وأحرز هدف النصر اللاعب الإماراتي عوض مبارك. فاز ايضا على منتخب قطر 3/صفر وعلى منتخب البحرين 7/1 وعلى منتخب السعودية 3/صفر وعلى الاهلي المصري 5/صفر وتعادل مع القادسية الكويتي 1/1 وأحرز هدف القادسية درة الخليج العربي جاسم يعقوب.
استقبلت الجماهير الحاشدة فريق سانتوس البرازيلي الذي وصل بكامل نجومه إلى مطار الخرطوم مساء الاثنين 19/2/1973م وأستقبل بالأعلام والطبول والنحاس، وفور توقف محركات الطائرة بمدرج مطار الخرطوم صعد السيد رئيس نادي الهلال أحمد عبد الرحمن الشيخ وسكرتير النادي المهندس عبد الله السماني سلم الطائرة ونزلا معاً في معية الملك بيليه ورفاقه واخذوا يلوحون للجماهير الهادرة التي أخذت تصفق وترحب بنجوم سانتوس بحرارة وترحاب منقطع النظير.
تم تنظيم موكب لنجوم سانتوس برتل من السيارات الفارهة كان في مقدمتها العربة المكشوفة التي كان يقودها نائب رئيس الهلال اللواء عمر علي حسن وأقلت رئيس وسكرتير نادي الهلال والملك بيليه، حيث تم تطويق أعناق نجوم سانتوس بباقات من الأزهار ومن ثم تحرك الركب من المطار إلى شارع القصر بالخرطوم ثم عبر كوبري بحري وطاف ببحري ثم إلى أم درمان عبر كوبري شمبات ومنها طاف الموكب بشوارع أم درمان متجهاً إلى الخرطوم عبر كوبري أم درمان حتى فندق السودان “نُزُل بعثة سانتوس” وعلى امتداد الطرقات بالخرطوم وبحري وأم درمان وأمام فندق السودان اصطف المواطنون وهم يلوحون بالتحية ويقذفون ركب نجوم سانتوس بالأزهار والورود وبادلهم النجوم التحايا والتصفيق.
كان يوم الثلاثاء 20/2/1973م يوماً استثنائياً بالسودان، حيث توقفت الحياة بالخرطوم بتفاصيلها المعتادة وتبدل نبض الجماهير ومعاناتها اليومية إلى نبض جديد يهفو لمشاهدة نجوم العالم في كرة القدم بقيادة بيليه باستاد الهلال، حيث تقاطرت الجماهير منذ التاسعة صباحاً إلى الإستاد لمشاهدة اللقاء التاريخي. كان على رأس تلك الحشود الرئيس جعفر محمد نميري وأعضاء المكتب السياسي والوزراء وضيوف البلاد وأعضاء السلك الدبلوماسي وقادة إتحاد الكرة والأندية الرياضية بالبلاد.
قبل انطلاق الشوط الأول نزل إلى أرض الملعب رئيس وسكرتير نادي الهلال وطافا حول الملعب يحييان جماهير الهلال التي صفقت لهما بحرارة وحيتهما أحسن تحية لجهدهما الخرافي في تحقيق حلم الجماهير برؤية نجوم سانتوس بقيادة الملك بيليه.
ثم نزل فريق سانتوس البرازيلي بالزي الأبيض الكامل مع شعار النادي على الصدر أعلى الشمال، يتقدمه الملك بيليه وكارلوس البرتو وقام اللاعبون بعد تحية الجماهير بعمليات الإحماء ثم نزل فريق الهلال بقيادة كابتن الفريق جكسا فاهتز الاستاد بالهتاف والتصفيق وهدير الجماهير. وارتدى لاعبو الهلال قمصان زرقاء “كم طويل” مع هلال أبيض بالصدر أعلى الشمال وشورتات باللون الازرق الفاتح وجوارب بيضاء.
قدم لاعبو سانتوس في فاتحة اللقاء تابلوهات فنية وتناقلوا الكرة بينهم بخفة ورشاقة نالت إعجاب الجماهير ودوت جنبات استاد الهلال بالتصفيق. بعد مرور عشر دقائق دخل لاعبو الهلال جو المبارة بعد أن زالت الرهبة من نجوم السامبا فصار لاعبو الهلال أنداداً للملوك.
في الدقيقة (13) ومن ضربة ركنية لصالح الضيوف لُعبت عالية أمام المرمى قفز لها بيليه وحولها رأسية خلفية داخل الصندوق انقض عليها رقم (9) ايسيبيو برأسية قوية على يمين زغبير في مقص المرمى هدف المباراة الوحيد. بعد الهدف استحوذ ثلاثي الهلال جكسا، مزمل وعبده مصطفى على الكرة وأخذوا يتناقلونها بينهم في رشاقة واتقان وانتهت الكرة عند كسلا الذي قدم فاصلاً من المراوغة اختتمه بتهديفة مباغتة حولها الحارس إلى ركنية بأعجوبة.
في الدقيقة (39) قاد بيليه هجمة خطرة نحو مرمى زغبير بعد إفلاته من الرقابة اللصيقة لشواطين ولكن الضب استحوذ على الكرة ببراعة صفق لها الجمهور طويلاً منقذاً فريقه من هدف مضمون. عند الدقيقة (44) أطلق مزمل صاروخاً عابرًا للقارات فوق عارضة مرمى سانتوس ببوصات كأجمل لقطة خلال الشوط الأول.
في الشوط ألثاني إستمرت سيادة الهلال على الملعب دون فاعلية وظل شواطين ملازماً للملك بيليه كظله، حيث كتم أنفاسه تماماً مما جعله يغادر الملعب قبل نهاية المباراة يرافقه شواطين حتى خط التماس. أما كسلا فقد لعب مباراة العمر؛ راوغ وهدف ولعب بمزاج توجه بنجومية المباراة (Man of the match ) دون منازع رغم أنه أضاع هدفاً في الدقيقة (18) من ذلك الشوط.
إستمر اللعب سجالاً بين الفريقين إلى أن أعلن الحكم الدولي أحمد قنديل عن نهاية المباراة التاريخية التي أدارها بجدارة وعاونه على الخطوط الحاج هاشم وعبدالرحمن خضر (درمة). إنتهت المباراة بخسارة فريق الهلال بهدف بعد أن أدى لاعبوه مباراة رفيعة المستوى بلغ إيرادها 31736 جنيها.
برز بصورة لافتة اللاعبون كسلا ومزمل وشواطين والنقر وعبده مصطفى وتم اختيار كسلا نجماً للمباراة وقد تم إهداؤه ساعة ثمينة في العشاء الذي أقيم بفندق السودان عقب المباراة والذي حضره المسؤولون والرياضيون ورجال الصحافة واللاعبون. تجدر الإشارة إلى أن بيليه قد أثنى على لاعبي الهلال خاصة النجم كسلا وقال إنهم كانوا كالغزلان.
في صبيحة الحادي والعشرين من فبراير 1973م غادر فريق سانتوس الخرطوم مودعين بمثل ما أُستقبلوا به من حفاوة وتقدير.
حاشية:
الزي الأزرق الذي إرتداه لاعبو الهلال كان هدية من العقيد حسن أبو العائلة الملحق العسكري بسفارة السودان بلندن وقطب الهلال كامل حسن محمود (رحمهما الله ورحم جميع موتانا وموتى المسلمين)
عبدالله مسعود
رئيس لجنة إستقبال سانتوس
دبي – الإمارات
١٩ فبراير ٢٤م