
سياحة في ادب الحكم والسياسة د. أمين محمود محمد عثمان مصالح ترسم مواقف حرب السودان
سياحة في ادب الحكم والسياسة
د. أمين محمود محمد عثمان
مصالح ترسم مواقف حرب السودان
المصلحة او المنفعة ، هي، ما تجلب السعادة للمرء عند حصوله عليها أو ما تدرأ عنه الشر فيهنأ .. وقد تفضي بعض الأشياء لسعادة ظاهرية او لحظية ثم لا تكون في الحقيقة مصلحة .. لذلك يتقيد تعريف المصلحة بالمصلحة اليقينية لا المظنونة… على سبيل المثال قد يرى بعضهم في شرب الخمر مصلحة بينما في الحقيقة هو شر ومضرة لأنها تذهب العقل كمميز للإنسان ..
الأمريكيون يرون ان المنفعة والمصلحة الأمريكية هي كل شيء تجلب المصلحة لأمريكا بغض النظر عن إضراره بالآخرين .. بل يرون أن كل سعي لجني مصلحة لأمريكا قانوني و مبرر وأخلاقي !
فالفكر الغربي اندفع بهوى مضل في تحديد المصلحة بملاءمة ذاتية أحادية ، وبفصل السلوك السياسي من القيم المعيارية و تحريرها من أي ارتباطات بأخلاق الفضيلة، وبالضرورة بالدين مكنز الفضائل ونبعها …
فكانت سياسة الكيل بالمعايير المزدوجة التي نسفت فكرة ثبات الحق والباطل بمنظور الفطرة الإنسانية نتيجة لهذا المذهب الخطل ، وجرى تزيين الباطل ليبدو للناس بأن الحق هو ما عليه فرعون صاحب الجبروت ( ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد )..
فسياسة الكيل بالمكاييل التطفيفية نتاج طبيعي للتنكب في تعريف المصلحة ثم تبرير كل سبل الحصول عليها بتحرير السلوك السياسي من أي تقييد ديني أو أخلاقي..
في الحرب التي شنت على السودان في 15 أبريل 2023 م ، تأثرت مواقف الدول من السودان ومن الغازين وفقا للرؤية الحديثة للمصلحة ..
أشك ان جهة دولية حددت او أسست موقفها منطلقة من مرجعيات أخلاقية أو دينية! فالقهر الحضاري أصبح رادعا ومرعبا للدول ، فتمنعها من بناء مواقفها في القضايا الدولية انطلاقا من قيم الفضيلة التي كانت تحض على مناصرة المستضعفين ، فماتت بذلك دوافع تأسيس الأمم المتحدة ومجلس الأمن ، وفكرة القوة الوازنة التي كانت أمل ردع المعتدين… فبمنافاة لأصول تعيير الحق والباطل يمكن لدولة عظمى تعطيل حماية حقوق يتم هدرها بدولة معتدية دون أن تكون لرؤية كل الاعضاء أي اعتبار..
من المهم أن نمعن النظر في محددات رسم مواقف الدول تجاههنا في هذا الاعتداء الغاشم .. فلنتفهم ما وراء دوافع كل دولة صديقة او عدوة أو من منها بين المنزلتين ! فهذا السبر في فحص الدوافع جنة من الاستغفال ، وسانحة لتبيين ما يشكل على بعضهم من فهم المشكلة إبتداء ، وما هي المصالح اليقينية لها مع السودان .. فللشيطان الأكبر املاءاته على الدول وقد فرضت لها فهم النزاع في السودان ، وقليل منها تعي نكوص امريكا وتبرؤئها من حلفائها حين يحمى الوطيس ..
اقحم السودان في حلف الحرب على الحوثيين في اليمن ، وإنما نقول هذا للمترتبات المفجعة على السودان .. ومنها أنها صارت أداة لمزابنة الدعم السريع مع القوى الدولية.. حتى أن ارتباطها بالخليج وأوروبا صارت عصية الانفكاك طالما يتعلق الأمر بالأمن القومي لتلك الدول.. فالدعم السريع صار مقاولا لجلب المرتزقة من كافة أفريقيا وكلهم كانوا يتجنسون كسودانيين.. فآضت حاجة دول الخليج للدعم السريع حاجة ما لا يؤدى الواجب إلا به . ِ.. فهو واجب… فمن هنا تأتي صعوبة تخيل أي من تلك الدول ليوم آت خلو من دعم سريع يقاتل لها … فهي تطرح حلول حل الازمة ولا تغفل ابدا حاجتها الأساسية المتمثلة في الإبقاء على الدعم السريع في ختام حل الأزمة ! ومن ناحية متعارضةلهذه المصلحة الخليجية ، لا يتصور السودانيون حلا يبقى وضعا مستقبليا للدعم السريع في السودان…
إذن نحتاج لمكاشفة مع دول الخليج بغير غتغتة أو مراءآة… نصدع بحجتنا وبينتنا في رفضنا لإعادة تموضع الدعم السريع وجثومه على صدر السودان مرة أخرى .. ونبحث مع دول الخليج كأخوة ما يمكن أن يفيدهم في أمنهم بأس سليم لا يرهنهم بدولة أصبحت علاقاتهم بها وبالا عليهم ، فنبحث ما يمكننا مساعدتهم .. ِكل ذلك من قاعدة الندية والاحترام المتبادل ..
بقيت قراءة لموقف أشد تحسسا للحكومة وللشعب معا متعلق بمتحكمات العلاقة مع جارتنا الشمالية.. وموئلنا في التحليل هي المصالح المظنونة للجارة اولا مع من تتولى كبر العدوان على السودان دويلة الشر الأمارات.. فتلك المواقف يجب أن تقرأ مقارنة مع المنفعة الظاهرية لمصر من استثمارات الإمارات في مصر !
وثاني متحكمات العلاقة هي ما تحققت لكل جيران السودان من مصالح اقتصادية نتيجة ضعف الدولة السودانية وعدم قدرتها في الرقابة و التحكم في تهريب مواردها من ذهب وثروة حيوانية و محاصيل زراعية ومنتجات غابية… عبر حدودها ، فهي تهرب لجوار السودان كلها ، ومن زاوية المصالح فإن استمرار تدفق ثروات السودان ستبدو مصلحة اقتصادية لكل الجوار، ومن الطبيعي عقد آمال على بقاء الظروف التي تفضي لتهريب موارد السودان للخارج..
هذه، تدعونا لعدم الغرق في سراب الفأل بقدرة او حتى حرص الجميع على حل او احتواء مشكلتنا.. وأشد المتفائلين المؤملين لحل خارجي يرعى مصلحة السودان تساءلوا هل يمكن لليبيا حفتر لعب هذا الدور المحوري في العدوان على السودان لو لا إغماض بصر حامي حفتر لا ممولهما ؟ ؟ فمن يا ترى يغمض بصره عن أفاعيل حفتر في السودان بالإضافة للامارات؟
نعرف في دراسة النزاعات كيف يصبح الانهاك سياسة معتمدة لدى ما يعرف بالطرف الثالث ، وكيف ان الطرف الثالث يتقي الظهور كمؤيد لطرف او ضده في النزاعات… لذلك وجب حذرنا من تحويل أطراف دولية الحرب في بلادنا لوسيلة إنهاك مستمر يصرف السودان من الازدهار والتنعم بخيراته..
وإنه لمن الغفلة استبعاد سعي بعضهم لنكون دوما ضعافا نرنو إليهم ليساعدوننا…
اخيرا سأضع مبضعا في جرح أرى أنها تعالج بطريقة مسح القطران على الصوف… فمعظم الدول تبني علاقاتها منذ إعلان الرئيس جعفر النميري رحمه الله للشريعة على خوف من تمكين السودان لتقديم نموذجه في تطبيق قيم الإسلام في الحياة شرعة ، فيحدث ذلك زلزالا سياسيا في كل العالم الإسلامي لتمثل التجربة في كل الدول الاسلاميه .. أقول هذا لأن معاداة السودان بفرض العقوبات وبشكل مستديم ظاهرة لازمت النظرة الدولية لكل حكومات السودان منذئذ لليوم..
فالسودان ضحية تشويه لصورته عن عمد ، و نسجت فريات التخويف بالتوجه الإسلامي .. فلأن الإنسان عدو لما يجهل ، يوظف الجهل بالاسلام طريقة لمعاداته حتى بين أبناء المسلمين الذين يجهلون قيمة إسلامهم ..
الإسلام دين وسطي، وبالوسطية انتشر في السودان… واتسم انتشاره في السودان بالتدرج و بالمعايشة مع التقاليد القديمة، ولكن دوما كان للإسلام قدرة تحريك ونقل المجتمع السوداني نحو التطبيق الامثل للإسلام في الحياة… فالمحتمع ظل ينهل ما يتعلمه من فقه في كل مسائل الحياة تاركا كل موروث قديم يتضح انه مخالف لتعاليم الإسلام، فحدث كل ذلك دون مواجهة ..
لذلك لم ولن تشكل توجهات السودانيين للتطبيق الامثل لقيم الإسلام أي مشكلة، لا وسط المجتمعات السودانية ولا مع الدول الأخرى ..
فبدلا من معاداة الدول للسودانيين فقط لنهجهم في تطبيق تشريعات الإسلام فتثير المعاداة غباىن شعوبها ، افضل للدول ازالة التخوفات التي يعلمون انها تنسج بأعداء حقيقيين للإسلام بمفاتحة السودانيين وبدراسة منهج إنتشار الإسلام في السودان.. فلا شك عندي أن المواقف ستتغير.. والتفاهم تحت أسس ثابتة أهون من التفاهم تحت أسس مبنية على غير أرضية ثابتة..
د. أمين محمود محمد عثمان
ذو القعدة 1447 هجري