مقالات

سيف مدلل يغني للحياة

اسماعيل شريف

وغنّى لنا الأستاذ عادل كما لم يغنِّ من قبل…استهلالٌ بطعم عثمان حسين، وتمتام يكمل الأفراح. في نهارية لطيفة، جمعت الحبان للاحتفاء بالعريس الرائع المبدع سيف مدلل وعروسته الحسناء، وعلى أنغام وألحان جميلة، تمايل الجميع طربًا وهم يشاركون الأخ المدلل مدلل فرحته. كان يومًا فريدًا، ليس لأن سيف تزوج فحسب، وإنما لأن سيف قال لنا، من قلب تجربته، إن الحياة ستستمر.

سيف موسيقي سوداني، حمل معه من السودان إلى مصر أكثر مما يحتمل القلب. في بدايات الحرب، وبينما كان في رحلة اللجوء من السودان إلى مصر، فقد زوجته في أحد المعابر. ماتت هناك، في الطريق، تاركة خلفها أطفالًا كان أصغرهم لم يتجاوز العام الواحد. كانت الحرب قد أخذت منه زوجته، وبيته، وأمانه، وربما الكثير من الأشياء التي لا يمكن استعادتها. لكنه لم يسمح لها أن تأخذ منه الحياة.

وصل إلى القاهرة، وواصل العمل، وواصل رعاية أطفاله، وواصل العزف والغناء، ثم التحق بأسرة مدرسة القبس المنير – فرع العشرين، ليعمل بين الأطفال والمعلمين، ويواصل دوره في الحياة، رغم كل ما حمله قلبه. واليوم، وبعد كل ذلك، اختار سيف أن يبدأ من جديد. تزوج عن محبة، لا لينسى من رحلت، ولا ليغلق صفحة الماضي، وإنما ليمنح أطفاله بيتًا جديدًا، ورفيقة طريق تساعده في تربيتهم، وتمنح الأسرة فرصة أخرى للحياة. وهكذا اجتمعنا اليوم حول سيف. لم نكن نحتفل بعريس فقط؛ كنا نحتفل بانتصار صغير للحياة على الحرب. كانت الأغنيات تقول ما تعجز الكلمات عن قوله، وكان الضحك يملأ المكان، وكانت العيون تراقب سيف وهو يبتسم. ربما لم يكن أحد منا ينسى أن وراء تلك الابتسامة قصة موجعة. لكننا لم نشأ اليوم أن نبكي. أردنا أن نقول لسيف
نحن معك… وفرحتك فرحتنا. وأردنا أن نقول لأطفاله
إن الحياة، رغم كل ما فعلته الحرب، ما زالت قادرة على أن تمنحكم بيتًا، وحنانًا، وأملاً، وغدًا أفضل. فالحرب تهدم البيوت، لكنها لا تستطيع أن تهزم رغبة الإنسان في أن يبني. تقتل الأحبة، لكنها لا تستطيع أن تقتل الحب. تدفع الناس إلى المنافي، لكنها لا تستطيع أن تقتلع الوطن من قلوبهم. وسيف اليوم لا يقول لنا إنه نسي ما حدث. بل يقول شيئًا أكثر عمقًا إننا نستطيع أن نحمل أحزاننا ونواصل الطريق. غدًا ستنتهي الحرب، مهما طال أمدها. سنعود إلى السودان. سنبحث عن البيوت التي هُدمت، ونبنيها من جديد. سنفتح المدارس التي أُغلقت، ونملأها بالأطفال. سنصلح ما أفسدته الحرب. وسنغني مرة أخرى في الخرطوم، وفي أم درمان، وفي كل مدن السودان. وسيكون لنا، كما كان لسيف اليوم، موعد مع الفرح.

ربما لهذا كان زواج سيف مدلل أكثر من مناسبة اجتماعية عابرة. كان إعلانًا بسيطًا، صادقًا، وعميقًا الحياة مستمرة. ومادام فينا من يستطيع أن يحب بعد الفقد، وأن يبتسم بعد الحزن، وأن يبدأ من جديد بعد الانكسار…فإن الأمل ما زال حيًا. مبروك لسيف وعروسته. ومبروك لأطفالهما هذا البيت الجديد. ومبروك لنا جميعًا… فقد غنّى لنا سيف اليوم، دون أن يمسك آلة موسيقية غدًا أجمل.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى