
شيء للوطن م.صلاح غريبة – مصر Ghariba2013@gmail.com بين الدبلوماسية الميدانية والسيادة الوطنية: السودان في مفترق الطرق بين الحل الأممي والإرادة الداخلية
شيء للوطن
م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com
بين الدبلوماسية الميدانية والسيادة الوطنية: السودان في مفترق الطرق بين الحل الأممي والإرادة الداخلية
تشهد العاصمة السودانية الخرطوم حراكاً دبلوماسياً وسياسياً مكثفاً يعكس دقة المرحلة التي يمر بها السودان. فتواجد المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، بيكا هافيستو، في القصر الجمهوري ولقائه برئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، يمثل نقطة اختراق مهمة تشير إلى عودة مسارات التواصل المباشر بين المؤسسة السيادية الأم في البلاد والمنظمة الدولية. إلا أن هذا الحراك الأممي يتحرك في مساحة تتطلب توازناً دقيقاً للغاية بين حتمية معالجة الملفات الإنسانية العاجلة والحفاظ على السيادة الوطنية وثوابت الدولة.
إن الرسائل التي حملها المبعوث الأممي هافيستو ترتكز في مجملها على البعد الإنساني و الحماية الفورية للمدنيين؛ إذ ركز على الملفات ذات الأولوية الملحة، مثل تسهيل تبادل الأسرى والمحتجزين المدنيين بالتنسيق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ووقف إطلاق النار، إلى جانب تأكيد الأمم المتحدة ومنظمة «اليونيسيف» على الحقوق الأساسية للأطفال من خلال إقامة امتحانات موحدة ومصادق عليها في جميع أنحاء السودان لضمان عدم ضياع مستقبل الأجيال الشابة. وإلى جانب ذلك، تحمل إشادة المبعوث الأممي بما شهده من أعمال تشييد وتعمير في الخرطوم ومظاهر استعادة الحياة الطبيعية دلالة مهمة على أثر الاستقرار الميداني وتماسك مؤسسات الدولة في إعادة البناء والتعافي.
لكن المقاربة الإنسانية والعملية السياسية التي تسعى الأمم المتحدة لدفعها عبر الشراكة مع المجموعات الدولية، كـ «الخماسية»، تصطدم برؤية سودانية صلبة عبّر عنها كل من رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس ووزير المالية رئيس حركة العدل والمساواة الدكتور جبريل إبراهيم. فقد جاء تأكيد رئيس الوزراء على رفع الشعار المحوري بأن قيادة البلاد لن تفرط في السيادة الوطنية أو القرار السيادي، ورفض الخرطوم القطعي لأي شكل من أشكال التدخلات الأجنبية، ليضع حدوداً فاصلة ومستقيمة لأي دور أممي أو دولي. المساعدة الأممية مرحب بها ومحل تقدير ما دامت تعمل في إطار الشراكة المتبادلة واحترام عضوية السودان ومكانته، لا فرض الإملاءات أو وصاية الخارج.
وفي السياق ذاته، يأتي التقييم السياسي والعسكري الحازم الذي قدمه الدكتور جبريل إبراهيم ليرسم الخطوط الحمراء تجاه المقترحات الدولية الداعية لتوسيع حظر التسلح ليملأ كامل التراب السوداني بدلاً من اقتصاره على دارفور. إن هذا الطرح الأممي المرفوض سودانياً يمس في جوهره قدرة القوات المسلحة على ممارسة أداء واجبها الدستوري والوطني في الدفاع عن سيادة البلاد ووحدة أراضيها وحماية المدنيين من انتهاكات المليشيات المتمردة. القوات المسلحة هي المؤسسة الدستورية الشرعية المقيدة بالقوانين والواجبات الوطنية، ومحاولة مساواتها بالمليشيات في حظر التسلح تضعف الدولة لصالح قوى اللا-دولة وتؤدي إلى خلل خطير في ميزان الأمن القومي.
إن المسار الشامل والآمن للحل يستوجب العمل المتزامن وفق رؤية تتضمن مسارين متكاملين ومتدرجين؛ المسار الأمني: الملتزم بإنفاذ إعلان جدة لحماية المدنيين وإجلاء المظاهر المسلحة، وتأكيد شرعية المؤسسات الوطنية وإعادة هيكلة وتوحيد كافة الجيوش والحركات المسلحة ضمن جيش وطني قومي موحد كما أعلنت حركة العدل والمساواة التزامها المباشر بذلك، والمسار السياسي: الذي يتأسس على حوار سوداني-سوداني خالص، ملكيته بالكامل للداخل السوداني دون أي إقصاء أو تدخل خارجي يُفسد طبيعة التوافق الوطني.
في الختام، يظهر الحراك الدبلوماسي الأخير أن المجتمع الدولي والأمم المتحدة بصدد إعادة ترتيب أوراقهما في السودان والاستجابة للواقع القائم في الخرطوم. غير أن النجاح المستدام للجهود الأممية يظل مرهوناً بمدى احترام المنظمة الدولية للسيادة الوطنية السودانية، والتعامل مع الجيش الوطني كحامي للدولة وليس كطرف متكافئ مع المليشيا، وتبني المبادرات التي تصنع بملكية سودانية خالص لتأسيس سلام عادل، ومستدام، ودولة استقرار ومؤسسات.