الأخبار

شيء للوطن م.صلاح غريبة – مصر Ghariba2013@gmail.com جسر المودة: حينما يخذل التضليلُ الحقيقةَ التاريخية

شيء للوطن
م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com

جسر المودة: حينما يخذل التضليلُ الحقيقةَ التاريخية

على مدى عقود طويلة، لم تكن الحدود بين مصر والسودان مجرد خطوط جغرافية ترسم خرائط الدول، بل كانت شرايين تتدفق عبرها دماء الأخوة، والمصاهرة، والروابط الوجدانية التي عصيت على الانفصام. ومنذ أن وطأت قدماي أرض مصر في عام 2012، ولحقتُ بأسرتي التي استقرت هنا منذ عام 2006، لم نجد في هذا البلد إلا دفء الاستقبال وصدق المعاملة. لقد عشنا بين أهلنا المصريين، نتقاسم معهم تفاصيل الحياة اليومية، ولم نلمس في شوارع القاهرة أو في أي مدينة مصرية أخرى أي معاملة غير سوية تجاه أي فرد أو جهة سودانية؛ بل على العكس، كانت مصر دائماً هي الملاذ الآمن والبيت الكبير الذي يتسع للجميع دون تفرقة.
ومع اندلاع الأزمة السودانية في عام 2023، وتدفق الأعداد الكبيرة من إخوتنا السودانيين بحثاً عن الأمان، أثبتت الدولة المصرية، حكومةً وشعباً، أصالة معدنها. لقد استقبلت مصر الوافدين الفارين من ويلات الحرب وفتحت لهم المدن، لا المخيمات؛ التزاماً منها بحفظ كرامتهم الإنسانية، وتيسيراً لاندماجهم في مجالات العمل والتعليم، في مشهد إنساني يعكس إدراكاً عميقاً لوحدة المصير والمسار.
إلا أننا، وفي خضم هذه الأزمة، بتنا نشهد هجمة إعلامية منظمة، تقودها في بعض الأحيان منابر دولية، تهدف إلى تشويه هذه العلاقة الفريدة وضرب ركائز الود الشعبي بين البلدين. لقد طالعتنا مؤخراً تقارير، مثل ذلك الذي نشرته صحيفة “الجارديان” البريطانية، والذي جاء مجتزئاً وغير موضوعي، حيث تجاهل بشكل متعمد حجم الجهود الحكومية المصرية التي استوعبت الملايين دون أن تساوم بكرامتهم. وكما جاء في الرد الرسمي المصري، فإن هذه الادعاءات ما هي إلا استنتاجات تفتقر للموضوعية، وتغفل حقيقة أن مصر كانت وما زالت الحاضنة التي احتوت الأزمة السودانية بصبر وحكمة.
لا ينكر أحد أن هناك “تفلتات” فردية وممارسات غير مقبولة قد تصدر من قلة قليلة من الوافدين الجدد، وهو أمر طبيعي في ظل ظروف النزوح القسري والضغوط النفسية التي يمر بها هؤلاء الأفراد. ولكن، من الإنصاف بمكان التأكيد على أن هذه التصرفات لا تمثل جموع السودانيين في مصر، وأن القانون المصري هو الفيصل في التعامل مع هذه التجاوزات، وهو أمر يوافق عليه كل سوداني غيور على سمعة بلده ويحترم قوانين الدولة المضيفة. إن محاولة تصوير هذه الحالات الفردية كظاهرة عامة هي عملية “شيطنة” مقصودة تهدف إلى تعكير صفو العلاقات التاريخية بين الشعبين.
وأمام هذا التزييف الممنهج، تقع مسؤولية تاريخية وأخلاقية على عاتق المجلس الأعلى للجالية السودانية، والكيانات الرسمية للوجود السوداني في مصر، وأخص بالذكر جموع الصحفيين والإعلاميين السودانيين المتواجدين في القاهرة. إن دوركم اليوم ليس مجرد تبيان الحقائق، بل هو الدفاع عن “مشروعية الأخوة”. يجب أن يرتفع صوتكم لتوضيح الصورة النبيلة للتعامل المصري، وأن تنقلوا للعالم تجاربنا اليومية التي تتسم بالاحترام المتبادل والمودة الصادقة.
إن العلاقة بين مصر والسودان أكبر من أن تنال منها أقلام مأجورة أو تقارير تفتقر للنزاهة. إننا، كأفراد عاشوا سنوات من العيش المشترك، نشهد بأن مصر لم تكن يوماً مجرد دولة جوار، بل هي القلب الذي ينبض بحب السودان وأهله. فليكن صوت الحقيقة هو الأعلى، ولتظل هذه العلاقات عصية على الاختراق، ولنحمي معاً هذا الجسر الإنساني المتين من محاولات الهدم التي لا تخدم إلا أعداء الوحدة والاستقرار.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى