
شيخ الأمين.. حين سقطت رايات الطائفية وبقي الإنسان وحده في مواجهة الموت بقلم: محمد عثمان الرضي
شيخ الأمين.. حين سقطت رايات الطائفية وبقي الإنسان وحده في مواجهة الموت
بقلم: محمد عثمان الرضي
◆ مساء الثلاثاء، السادس والعشرين من أغسطس 2026، وفي ضاحية مدينتي بالعاصمة المصرية القاهرة، وجدت نفسي أمام تجربة إنسانية مختلفة، حين جلست إلى الشيخ الأمين عمر الأمين، المعروف بين قطاع واسع من الشباب والشابات بـ«شيخ الطبقة المستنيرة».
◆ لم يكن اللقاء مرتباً منذ أيام، ولم تسبقه بروتوكولات أو مقدمات طويلة؛ فقد أفلح الزميل الإعلامي الشامل مصعب محمود في ترتيب اللقاء خلال ساعات قليلة، وكان برفقتنا الأستاذ طارق شريف، رئيس تحرير مجلة «حواس الاقتصادية» ذائعة الصيت، والذي جمعتني به زمالة العمل ذات يوم في صحيفة «الصحافة».
◆ ولأنني كنت ألتقي الشيخ الأمين للمرة الأولى، فقد آثرت أن أصمت أكثر مما أتحدث، وأن أترك للرجل مساحة واسعة ليحكي تجربته بنفسه، فالصحفي أحياناً لا يحتاج إلى كثرة الأسئلة بقدر حاجته إلى أذن تعرف كيف تستمع.
◆ قرابة ثلاث ساعات كاملة كنت فيها مستمعاً، وكلما مضى الرجل في حديثه كنت أكتشف أن أمامي تجربة لا يمكن اختزالها في صورة شيخ طريقة صوفية، ولا في مريدين يلتفون حول شيخ، وإنما أمام حالة اجتماعية وإنسانية تستحق أن تُقرأ بهدوء بعيداً عن الخصومة والانطباعات المسبقة.
◆ فالشيخ الأمين لا يقدم التصوف، بحسب ما فهمت من حديثه، باعتباره عزلة عن العصر، وإنما يحاول أن يجعله متصالحاً مع الحداثة، قريباً من لغة الشباب، ومفتوحاً على العلم والتعليم، وهو ما جعل قطاعاً واسعاً من محبيه ومريديه من خريجي الجامعات وأصحاب التخصصات المختلفة.
◆ أغلب هؤلاء الشباب والشابات لا تتجاوز أعمارهم الثلاثين عاماً، وهي ملاحظة مهمة في تجربة رجل اختار أن يخاطب جيلاً كان يمكن أن يكون بعيداً عن مجالس التصوف التقليدية، فإذا به يجد في تجربته مساحة للروح والعلم والحوار معاً.
◆ ومن أكثر ما استوقفني أن الرجل لا يبدو معجباً بالجهل، ولا يرى أن التدين يمكن أن يكون بديلاً عن العلم، بل يدفع بمريديه نحو الجامعات، ويشجعهم على مواصلة الدراسات العليا، حتى ابتعث المئات منهم إلى خارج السودان لنيل درجات علمية متقدمة.
◆ هنا تحديداً يمكن فهم سر الجدل الذي أحاط بتجربته؛ فكل محاولة للخروج عن المألوف تفتح بالضرورة باباً للأسئلة، وأحياناً باباً للخصومة أيضاً، وقد تعرض الشيخ الأمين لانتقادات واتهامات فكرية من بعض مخالفيه، لكنه اختار أن يمضي في طريقه دون أن يجعل من خصومه محور حياته.
◆ وربما كان أبلغ اختبار لأي فكرة أو منهج أو رجل هو لحظة الأزمة الكبرى؛ فالكلام في أوقات السلم كثير، والشعارات سهلة، لكن الحرب وحدها قادرة على فرز المعادن، وإسقاط الأقنعة، وإظهار الإنسان كما هو.
◆ وعندما اشتعلت الخرطوم في الخامس عشر من أبريل 2023، لم يغادر الشيخ الأمين إلى منطقة آمنة، وإنما اختار البقاء بين محبيه ومريديه، داخل خلوتِه ومحرابه، في منطقة كانت أصوات القذائف فيها أقرب من صوت الأذان.
◆ هناك، في قلب النار، لم يعد السؤال: من يتبع من؟ ومن ينتمي إلى أي طريقة؟ ومن يؤيد هذا الطرف أو ذاك؟ أصبح السؤال أكثر بساطة وأكثر قسوة: من سيموت؟ ومن سيُنقذ؟ ومن سيجد دواءً؟ ومن سيجد لقمة خبز؟
◆ وتلك هي اللحظة التي تحولت فيها الخلوة، بحسب ما رواه لنا، من مكان للعبادة والتربية إلى مساحة للإغاثة والعلاج؛ مرضى يُستقبلون، وجرحى يُسعفون، وجائعون يُطعمون، وأسر منكوبة تبحث عن يد تمتد إليها وسط الخراب.
◆ لم تكن الخرطوم في تلك الأيام مدينة عادية؛ كانت مدينة مفتوحة على الموت. شوارعها تحمل رائحة البارود، ومنازلها تخفي قصصاً لا يعرفها إلا من عاشها، ومستشفياتها تعاني، ومؤسساتها تكافح للبقاء، وكثير من المنظمات والأفراد اضطروا إلى مغادرة مناطق الخطر.
◆ وفي تلك اللحظة، وجد بعض المدنيين في المبادرة التي قادها الشيخ الأمين مساحة للنجاة، بحسب ما رواه لنا، فكان يمد يد العون لمن يحتاج إليها دون أن يجعل من حاجته إلى المساعدة مدخلاً لسؤاله عن هويته.
◆ والأهم من ذلك أنه استطاع، وفق روايته، أن يحافظ على قدر من التواصل مع أطراف متباينة في الصراع، مستفيداً من حضوره الاجتماعي، بهدف حماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدة إليهم، وهي مهمة بالغة التعقيد في حرب لا تثق فيها الأطراف بسهولة بأحد.
◆ ولعل أخطر ما في الحرب أنها لا تقتل الناس بالرصاص وحده؛ الحرب تقتلهم أيضاً بالجوع والمرض والخوف، وتقتل ما تبقى من الأمان في نفوس الأطفال، وتترك الأرامل أمام مسؤوليات أثقل من أعمارهن، وتضع اليتامى أمام حياة لم يختاروها.
◆ ولهذا فإن من عاش تلك التفاصيل لا يمكن أن يتحدث عنها كما يتحدث من قرأ خبراً في صحيفة أو شاهد مقطعاً عابراً على شاشة هاتف؛ فـ«ليس من رأى كمن سمع»، ومن دفن الموتى وحمل الجرحى ومسح دموع الثكالى يعرف من الحرب ما لا تعرفه التقارير.
◆ خلال اللقاء شاهدنا مقاطع مصورة قاسية لما خلفته الحرب من موت ودمار، مشاهد لجثث وأشلاء ودماء سالت أمام أعين الناس، وصور لا تحتاج إلى تعليق طويل كي تدرك أن السودان لم يخسر في هذه الحرب حجارة ومباني فقط، وإنما خسر أعماراً وأحلاماً وأجيالاً بأكملها.
◆ والأشد إيلاماً أن الإنسان في تلك اللحظات لا يعود معنياً كثيراً بالجدل الفكري أو الخلافات المذهبية؛ يصبح همه أن يعيش يوماً آخر، وأن يجد مريضه علاجاً، وأن يجد طفله طعاماً، وأن ينجو بمن تبقى من أسرته.
◆ وقد نقل لنا الشيخ الأمين شهادات من جهات تعمل في المجال الطوعي والإنساني عن حجم الجهد الذي بذل في رعاية المرضى والمتضررين، وهي شهادات تستحق التوثيق والتحقق المستقل، لأن العمل الإنساني الحقيقي لا يحتاج إلى أسطورة تحيط به، وإنما يحتاج إلى أدلة تحفظه من النسيان.
◆ وما يلفت النظر في روايته أن هذا الجهد، بحسب إفادته، لم يعتمد على تمويل حكومي أو دعم مؤسسي منتظم، وإنما تحمل الشيخ الأمين جانباً كبيراً من تكاليف العلاج والإطعام والرعاية من ماله الخاص.
◆ هنا تتقدم قيمة التجرد إلى الواجهة؛ فحين ينفق الإنسان من ماله الخاص على من لا يعرفهم، وفي ظروف حرب قاسية، فإن الأمر يتجاوز في كثير من الأحيان حدود الانتماء إلى جماعة أو طريقة، ليقترب من معنى أعمق هو الإحساس بالمسؤولية تجاه الإنسان.
◆ لكن أعظم ما في هذه التجربة، في تقديري، ليس حجم المال الذي أنفق، ولا عدد المرضى الذين عولجوا، وإنما القاعدة التي تحركت عليها المساعدة: لا تسأل الجريح عن دينه قبل أن تعالجه.
◆ المسلم كان يجد باباً مفتوحاً، والمسيحي كذلك، ومن يختلف في معتقده مع الشيخ الأمين لم يكن اختلافه سبباً لحرمانه من الرعاية، وحتى من يعبدون الأبقار على حد التعبير الذي دار في حديثنا لم تكن عقيدتهم معياراً لتقديم الخدمة الإنسانية أو منعها.
◆ تلك ليست قضية صغيرة؛ ففي عالم تمتلئ فيه الحروب بالشعارات الدينية والطائفية، تصبح يد تمتد إلى إنسان مختلف في العقيدة دون أن تسأله عن معتقده رسالة أقوى من آلاف الخطب.
◆ وربما هنا تحديداً تكمن المفارقة الكبرى: رجل ينتمي إلى بيئة صوفية، ويعمل في مجال التربية الروحية، لكنه في ساعة الاختبار وضع الإنسان قبل التصنيف، والرحمة قبل الخصومة، والحياة قبل الاختلاف.
◆ لا أكتب هذا المقال لأضع الشيخ الأمين فوق النقد، ولا لأمنحه حصانة من الاختلاف، فكل تجربة بشرية قابلة للنقاش والتقييم، ولا ينبغي للصحافة أن تتحول إلى منصة مديح مطلق لأي شخص، مهما كان موقعه أو حضوره.
◆ لكن الإنصاف يقتضي أيضاً ألا تتحول الخلافات الفكرية إلى جدار يحجب عنا رؤية الجوانب المضيئة في تجربة إنسانية؛ فالذين اختلفوا مع الرجل من حقهم أن يختلفوا، ومن حق المجتمع كذلك أن يسأل ويتحقق ويناقش، لكن ليس من العدل أن تُدفن الأعمال الإنسانية تحت ركام الخصومات.
◆ خرجت من منزل الشيخ الأمين بعد قرابة ثلاث ساعات وأنا أفكر في سؤال واحد: ماذا يفعل الإنسان عندما تسقط كل الحواجز من حوله؟ عندما لا يبقى جيش ولا حكومة ولا منظمة ولا قبيلة ولا مال ولا نفوذ قادراً على حمايته؟
◆ في تلك اللحظة لا يبقى سوى الإنسان؛ إنسان يحمل إنساناً، وطبيب يعالج جريحاً، ويد تطعم جائعاً، ورجل يدفن ميتاً، وأم تبحث عن مأوى لطفلها، وشيخ يقرر أن يبقى في المكان الذي اختار الآخرون الفرار منه.
◆ وقد يكون هذا هو الدرس الأهم الذي ينبغي أن نتعلمه من سنوات الحرب: أن الوطن لا يُبنى بالشعارات وحدها، وأن التدين لا يُقاس بكثرة الكلام، وأن الإنسانية ليست مذهباً ولا طائفة ولا حزباً؛ الإنسانية موقف.
◆ وفي زمن كثر فيه الذين يتحدثون عن الدين والوطن والإنسان، ربما نحتاج إلى عدد أقل من المتحدثين، وإلى عدد أكبر من الذين يثبتون أقوالهم بالفعل. فالكلمات قد تصنع ضجيجاً، لكن المواقف وحدها تصنع التاريخ.
◆ لذلك، فإن تجربة الشيخ الأمين، بكل ما فيها من جدل واتفاق واختلاف، تستحق أن تُقرأ من زاوية إنسانية قبل أن تُحاكم من زاوية التصنيف. ففي زمن حاولت فيه الحرب أن تجعل السودانيين أعداء لبعضهم، كانت هناك يد تقول ببساطة: هذا إنسان… إذن يستحق أن يعيش.
◆ وربما كانت تلك العبارة وحدها كافية لتختصر ثلاث ساعات من الحديث، وثلاث سنوات من الحرب، وتجربة رجل اختار أن يقف وسط العاصفة. ففي نهاية المطاف، عندما تسقط رايات الطائفية، وتتراجع رايات السياسة، وتخرس البنادق، لا يبقى في الميدان إلا سؤال واحد: من وقف إلى جانب الإنسان عندما كان الإنسان وحيداً؟