الحوارات

صائمون في السودان القيادي السابق بالكتلة الديمقراطية علي عسكوري لـ«الكرامة»: أنا موجود بـ«كثرة».. وتركت التحزُب قبل عامين «….» «….» هذا هو الفرق بين رمضان 2023 والآن بالخرطوم عندما تمُر بـ«سعد قشرة» تخنقك غصة وتستشيط عضباً هذا اقتراحي لرجال الأعمال والمواطنين لنظافة العاصمة وتزيينها «….» الخرطوم جريحة كسيرة الخاطر.. كثيرٌ من شوارعها يلفها ظلامٍ دامس.. هذه «….» قراءتي للوضع السياسي.. وهنالك فرصة تاريخية للوحدة الطوعية الآن.. لهذا «….» آثرت الصمت عن الكثير من القضايا.. كشعب وجيش انتصرنا ولكننا لانجيد الاحتفاء بإنجازاتنا الإسلاميون واليسار من بقايا الحرب الباردة

سلسلة حوارات يجريها

محمد جمال قندول

هلّ علينا رمضان والبلاد تشهد تطوّراتٍ في مختلف المناحي لتطبيع عودة الحياة. الشهرُ الكريم يختلف هذه المرة عن العامين السابقين، إذ عاد عددٌ كبيرٌ من المواطنين للبلاد، فيما استقبلت الخرطوم مُحيا هذه الأيام المباركة وكأنّها عروس بعد أن استعادت رونقها وتفاصيل حياتها الدافئة والوارفة والزاهية.

ولأنّ رمضان له مذاقٌ خاص في السودان وأكثر خصوصية في عاصمة الصمود الخرطوم هذا العام، فقد خصصت «الكرامة» مساحةً للحوار مع رموز تنفيذية، وسياسية، وإعلامية، وفنية، ورياضية، واجتماعية من داخل البلاد، لتطوف معهم على أجواء رمضان في السودان.

وضيف مساحتنا لهذا اليوم هو القيادي علي عسكوري رئيس حزب التحالف الديمقراطي للعدالة الاجتماعية السابق، فإلى مضابط إفاداته:

هذا أول رمضان لك في الخرطوم منذ اندلاع الحرب؟

نعم هذا أول رمضان أحضره في العاصمة بعد ذلك الذي وقعت فيه الحرب. بالطبع، يشعر الإنسان بالحزن وهو يمر على الخراب الذي أحدثته الميليشيا، وأُحس أنّ جراحاً عميقة جداً قد أصابت المدينة وسكانها.

مثلاً، مررت بسوق (سعد قشرة) مساءً أكثر من مرة، وأذكر حجم النشاط والحركة من النساء والأطفال التي كان يعج بها المكان. الآن يلفه ظلامٌ دامس رغم محاولات بعض التجار إعادة مزاولة نشاطهم، كثيرون منهم أعادوا بناء محلاتهم، ولكن تنقبض النفس عندما يتذكّر الإنسان حال المكان في السنين الخوالي وما آل إليه الحال، ومن ثمّ تغلي دواخلك وتخنقك غصة وتستشيط غضباً على من ارتكب تلك الجريمة.

من ناحية شعبية، فأغلب المواطنين يمارسون صومهم كالعادة، يخرجون بإفطاراتهم إلى الطرقات والساحات في تصميم نادر لإعادة الحياة لسابقها ، ورغم الغضب الطاغي على المليشيا في دواخل الناس، ولكن من الواضح أنّ الناس قد لعقوا جراحهم ووضعوا الحرب خلفهم رغم ما تقرأه في عيونهم من مرارة وألم.

إحساس رمضان بالعاصمة؟

طبعاً إحساس مهيب.

ما أوجه الفرق بين رمضان العام الحالي وسابقه؟

رمضان الماضي أمضيته مع كثير من الأصدقاء والزملاء في مدينة بورتسودان ، كان أغلبه دعوات في المطاعم أو الفنادق ،أما حالياً فأستمتع بمشاركة أقربائي وأصدقائي ومعارفي بالإفطارات الجماعية في الساحات والطرقات وهي ممارسة شعبية محببة للنفس.

كيف وجدت الخرطوم؟ ولك أن تصف لنا الأجواء هناك؟
وجدت الخرطوم جريحةً كسيرة الخاطر.. كثيرٌ من شوارعها في ظلامٍ دامس، وكثيرٌ من منازلها خالية من أهلها ، أرى وأُحس غضب المدينة في الأبواب والشبابيك والواجهات المحطمة… والمدينة تسأل لماذا فعلوا بها كل ذلك!
أعتقد أننا كشعب (لنترك الحكومة في محرَكتها) نواجه تحدٍ هائل يتمثل في إعادة مجد عاصمتنا وإحيائها وضخ الحياة والنشاط في طرقاتها، ومقاهيها، ومطاعمها، وفنادقها، ودورها ،أقترح على رجال الأعمال تأسيس صندوق مالي لحشد الدعم منهم ومن المواطنين يكون مخصصاً لنظافة العاصمة وتزيينها، علينا ألا ننتظر الحكومة مطلقاً.

كيف تقرأ الوضع السياسي بعد مرور قرابة الثلاثة أعوام منذ اندلاع الحرب؟
الأوضاع السياسية جيدة بالنظر للانتصارات حققتها القوات المسلحة ، الواقع يقول إنّنا كشعب وكجيش انتصرنا انتصاراً لا نظير ولا مثيل له في تاريخ أفريقيا. مشكلتنا كشعب وكصحافة فاشلين في الاحتفاء بإنجازاتنا.

بالنسبة للحكومة، أعتقد أنّها حكومة حزب واحد بجانب حركات دارفور، وهي فاشلة في تكوينها وأدائها، وآمل أن يتم تدارك أمرها فهي أقل بكثير من التحديات التي تواجه البلاد.
أين عسكوري من المشهد، وهل اعتزلت السياسة؟
أنا موجود (بكثرة)، ولكنني تركت التحزّب قبل حوالي العامين. أخيراً آثرت الصمت عن الكثير من القضايا حتى لا نقصم ظهر القوات المسلحة وهي تخوض المعارك وتنتصر. الفضاء العام أصبح سيئاً جداً، وكثرت الأقلام المأجورة التي تدافع عن فشل المسؤولين.
أما السبب الرئيسي لصمتي فإنني أرى أنّ بلادنا تتفكّك ،أرى ذلك رأي العين ، ربما لا يروق هذا الحديث لكثيرين، لكنّ هذا لن يغير من واقع الأمر، فكل شخصٍ صادق مع نفسه يعلم أنّ قضية التعايش المجتمعي أصبحت أمراً عسيراً جداً، فقد أحدثت الحرب جراحاً غائرة يصعب تجاوزها.
أما الحديث عن الكراهية وغيرها فهو حديث فطير تخطاه الواقع، فكثير من المجتمعات بعد أن أصابها ما أصابها أصبحت لا تقبل أن تعيش مع مجتمعات بعينها ، تلك هي الحقيقة التي يجب أن نواجهها ونتعامل معها بجدية لا دفنها تحت البساط وترديد أقوال فطيرة وساذجة مثل الحديث عن الكراهية وغيره، لقد تخطى الواقع (حديث الكراهية) وأصبح هنالك نهبٌ، وقتل، واغتصاب، وسبي، وتشريد، ومذابح، وإبادة، ذلك ما يجب أن نتعامل معه، ولا أرى مخرجًا من وضعنا الحالي إلّا بجلوس الناس إلى بعضهم البعض والاتفاق على شروط الوحدة الطوعية، في غير ذلك أرى حتمية تفكك البلاد ماثلة ونحن في نهاية المطاف مجتمع إنساني تسري علينا النواميس الدنيوية التي سرت على المجتمعات الأخرى، ويجب أن لا نعتقد أنّنا بشرٌ مختلف لا تسري علينا نتائج الصراعات كما سرت على المجتمعات التي سبقتنا.
هنالك الآن فرصة تاريخية للوحدة الطوعية إن أضعناها ستتشظى بلادنا بعنفٍ أكبر، وعلينا تدارك أحوالنا قبل أن يفرض علينا ما لا نرغب فيه.
ولكن أنتم كسياسيين جلستم كثيراً ولا تتفقون، والسودانيون أيضاً يُحمِلون وزر الحرب لاحتقانات السياسة؟
لو ترك السياسيون لوحدهم لن يتفقوا ، مثلاً من السذاجة السياسية أن تعتقد أنّ الإسلاميين سيتفقون مع اليساريين، فهؤلاء قوم جبلوا على التآمر ضد بعضهم البعض والاثنين من بقايا الحرب الباردة وعلى كلٍ ، من الصعب أن يتوقع اتفاق الساسة على شيء. ولذلك أعتقد أن يدور حوار بين القوى السياسية تحت الإشراف المباشر لرئيس مجلس السيادة الانتقالي حتى الوصول لوثيقة نهائية تحدد دستور الدولة ونظام حكمها..! في غير ذلك لا أتوقع أن يتفق الساسة.
أغرب حاجة تحيرني أن كثير من القوى السياسية يتعاملون مع الواقع الاجتماعي ومع الدولة وكأنّ الحرب لم تقع..! ويعتقدون في استمرارية الدولة بشكلها القديم … وهو أمرٌ مستحيل!

هنالك اتجاه لتشكيل مجلس تشريعي، هل سنرى عسكوري فيه؟

كما ذكرت ابتعدت عن القوى السياسية ولذلك لا أدري من سيقوم بالترشيح لعضوية المجلس؟ ولا أدري إن كان المجلس سيشكل فعلاً؟. أنا بخلفيتي المهنية وخبرتي وعملي أرى أنني أصلح للعمل التنفيذي أكثر من العمل التشريعي. ولكن في بلاد السودان رأينا كيف يكون الميكانيكي نجاراً، والنجار كهربجي، والكهربجي سباكاً. ذلك ما أودى ببلادنا وانتهى بنا إلى ما نحن فيه من تخلّف وحروب.
طقوس محببة إليك في الشهر الكريم؟
الإفطار مع الأهل، والأصدقاء، والتصدق، وقراءة القرآن.
رمضان 2023؟
تجربة مختلفة عن أي رمضان آخر خاصة للذين أمضوه في الخرطوم مثلي. كان الرعب، والموت، وأصوات الانفجارات، ودوي الراجمات في جميع الأنحاء في العاصمة ،حقيقةً لم يكن أحدٌ يدري بمآلات الأوضاع، اعتقدنا أول أيام أنّ الأمر وحسم التمرد لن يتجاوز الأربعة أو خمسة أيام وتعود الحياة لطبيعتها وكنا مخطئين.
ورغم إنني أمضيت النصف الثاني من رمضان ٢٠٢٣ في أمدرمان، إلّا إنني أذكر الصعوبة في الحصول على الخبز والخضار واللحمة وغيرها، وكان الناس في خوفٍ شديد من مآلات الأمور بالنظر لانفلات الأمن وعمليات النهب الواسعة التي طالت الأسواق والموت والإصابات العديدة من الدانات والشظايا.
أما هذا العام، فالفرق واضح جداً، أول الفروق هو الوفرة في الغذاء، الخبز، والخضار، واللحوم، إلخ… ثانياً : الطمأنينة العامة التي تعيش فيها المدينة وانتهاء أصوات الطلقات والانفجارات إلخ… وعلى كلٍ لا توجد مقارنة بين رمضان ٢٠٢٣ ورمضان ٢٠٢٦.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى