
تأملات
جمال عنقرة
أذكر عندما أقمنا قبل نحو شهرين أو ثلاثة دعوة غداء علي شرف الأخ الدكتور جبريل إبراهيم رئيس حركة العدل والمساواة وزير المالية في كونتيننتال كافيه في شارع ١٥ العمارات برعاية أخي العزيز محمد إبراهيم آدم رئيس مجلس إدارة شركة ناسا للأعمال المتقدمة، وحضرها نحو ثلاثين من القيادات الصحفية والإعلامية البارزة في السودان، تحدث الدكتور جبريل حديثا وطنيا مسؤولا متجاوزا كل الصغائر التي يغرق سياسيون كثر في اوحالها، فلما أخذ أخي الحبيب عاصم البلال الطيب فرصة للحديث، قال إنه بعدما سمع قول جبريل، فلو قدر له بعد عمره هذا أن يتحزب، ولو أن حركة العدل والمساواة تحولت من حركة كفاح مسلح إلى حزب سياسي، فإنه سيكون أول المنضمين إلى هذا الحزب، وقال كثيرون من الزملاء الثلاثين الذين حضروا ذاك اللقاء ذات ما قاله ود البلال، ولكنني أكتفي بذكر عاصم وحده مثالا لثلاثة أسباب أولها إنه قال ذلك أمام الملأ، والكل عليه شهود، ثانيهم أن عاصم كان أكبر الذين قالوا ذلك سنا، وارفعهم مقاما وظيفيا، وثالثهم أن عاصم، وكل أولاد الشيخ البلال الطيب يتقدمهم كبيرهم زميلنا الحبيب العزيز الأستاذ أحمد البلال الطيب – رد الله غربته، ونصره علي من عاداه – لم يعرف عليهم تحزب قط، ولذلك معناه ومغزاه.
تذكرت هذه الواقعة قبل قليل عندما سمعت تسجيلا بالصوت والصورة لمولانا السيد محمد عثمان الميرغني كبير أهل السياسة في السودان كلهم، وارفعهم مقاما، واطولهم تجربة، مرشد الطريقة الختمية، رئيس الحزب الإتحادي الديمقراطي الأصل، وكان يتحدث في هذا التسجيل حديثا واضحا لا لبس فيه، ولا ابهام، قطع فيه كل الجدل الذي كان يدور في الساحات عن موقف الحزب من التسوية الجارية، بعد الإرباك الذي أحدثه تعارض موقف نجليه السيدين الحسن، وجعفر الصادق، وكما هو معلوم بينما أعلن السيد جعفر رفضه لدستور المحامين الذي تحوم حوله الشبهات، وقع السيد الحسن علي هذا الدستور، وكان طرفا، أو بالأصح داعيا وراعيا للمجموعة العسكرية التي احتلت جنينة السيد علي الميرغني في شارع النيل الخرطوم، ودار أبو جلابية في بحري، بل ذهب أبعد من ذلك بأن أصدر قرارا بتجميد عضوية الذين استنكروا احتلال الدار في الحزب، ومعلوم أن كلا السيدين – الحسن وجعفر الصادق – فعلا ذلك بادعاء كل منهما أنه ينوب عن والده في رئاسة الحزب، ومفوض منه، فحسم مولانا الجدل حول هذه النقطة وقطع بتأكيد وتجديد السيد جعفر الصادق نائبا لرئيس الحزب، ومفوض منه، ومكلف بحسم الفوضي والإرباك الذي أحدثه تعارض المواقف والأقوال، ثم جدد رفضه لمشروع دستور المحامين، وأعلن مجددا رفضه لأي تسوية ثنائية لا تشمل الجميع، ورفض كذلك التدخل الخارجي الإقليمي والدولي الذي يفقد السودان سيادته، ويمس عزته، ويطعن في كرامته، وأكد بشكل قاطع وحاسم إحترام المؤسسة العسكرية، وأعلن رفضه وإدانته لكل محاولات التدخل في شؤونها، والمساس بها.
فلما سمعت حديث مولانا الحسيب النسيب هذا، تذكرت ما قاله أخي عاصم البلال، وقلت أنه لو يجوز للمرء وهو في النصف الثاني من العقد السابع من العمر أن يتحزب، بعد أن تجرد من كل الولاءات والانتماءات الحزبية والسياسية، لاخترت الإنضمام للحزب الإتحادي الديمقراطي الأصل تحت قيادة مولانا السيد محمد عثمان الميرغني، ونيابة نجله السيد جعفر الصادق له، لكنني استعضت عن ذلك بما هو أهم واشمل منه، فالسيد الميرغني لم يعد مجرد رئيس لحزب، أو مرشد لطريقة، فالسيد اليوم زعيم أمة، وحادي درب، ومرشد شعب، وصار مولانا بهذا الموقف رمزا للعزة والكرامة والوطنية، وموقفه هذا يستوجب علي كل الوطنيين الصادقين الحادبين الغيورين، أن يقيفوا معه وخلفه صفا واحدا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضه، فسجلت نفسي جنديا من جنود التيار الوطني العريض الذي صار مولانا السيد محمد عثمان الميرغني قائدا ورمزا له، وتلك دعوة لكل الوطنيين للاصطفاف خلف مولانا سندا ودعما، وسهاما في كنانة هذا التيار الوطني العريض.