
تأملات
جمال عنقرة
أذكر في سبعينيات القرن الماضي كان يوجد إنسان حالة خاصة في مدينة الأبيض عروس الرمال إسمه أبو شنقرة، وكان أبو شنقرة هذا يقول عن نفسه أنه “إنكوي” يعني أنه تعرض لابتلاءات عظيمة، ولكنه لم يكن يتحدث عن طبيعة الابتلاءات التي تعرض لها، فكان الناس يضحكون معه، ويزعمون له أنهم قد تعرضوا ابتلاءات أكثر منه، وكان كلما عدد له الواحد من ابتلاءات، يكون رده واحد “والله يا فلان أخوي إنت انكويت، لكن أنا انكويت أكتر منك”
كنت أعلم أن فقدي لأخي الزعيم الحبيب المجاهد الحاكم الحكيم عبد الرسول النور إسماعيل عظيما، لكنني أدركت يوم أمس أن فقدي له أعظم مما كنت أقدر، فبكيته أمس كما لم ابكه يوم وفاته، وكما لم أبك كثيرين غيره رحلوا، منهم من تربطني به اواصر وصلات أكثر مما بيني وبين الزعيم الحكيم الراحل، وكثيرون يعلمون ما كان بيني وبينه من اواصر، وهي صلة تعود إلى عشرات السنين، وأكثر ما كان يميز الحبيب الزعيم عبد الرسول النور، أنني لم يحدث أن احتجته في شأن عام أو خاص، إلا وجدته بأكثر مما كنت أطلب، وأكثر مما كنت أتوقع.
ومما يحضرني في هذه اللحظة من المواقف العامة، أنه لما اتفقنا مع الحبيب الراحل الإمام السيد الصادق المهدي له الرحمة والمغفرة علي ضرورة العودة للسودان للمشاركة في الحوار الوطني، وقيادته، وأن تكون عودته في إطار قومي، وليس تحت مظلة الحوار الوطني الذي كانت ترعاه الحكومة السابقة، كان أول من اتفقنا عليه الحبيب عبد الرسول النور لأن يكون الأساس في ذلك، وظللنا علي تواصل وتشاور دائم حتى توصلنا إلى خمسة عشر اسما اتفقنا أن يسافروا إلى الإمام في القاهرة يدعونه باسم أهل السودان للعودة إلى أرض الوطن للمشاركة في حوار وطني مفتوح، بلا قيود ولا شروط، وكان يشرف علي ذلك من جانب الحكومة وزير رئاسة الجمهورية في ذاك الزمان الدكتور فضل عبد الله فضل، ورعاية المشير البشير، ويشهد علي ذلك الحبيب محمد زكي السكرتير الخاص للإمام الراحل، والذي يعرف تفاصيل ذلك كلها، وكان يتابع كل شئ أولا بأول.
ويحضرني أيضا من القضايا العامة، مبادرة الشيخ الياقوت لوحدة الصف الوطني، ولعل الناس يذكرون كيف استجاب كل فرقاء السياسة في السودان لنداء هذه المبادرة، فلما رأينا في مجموعة صناعة المبادرة علي ضرورة تشكيل مجلس شوري للمبادرة، اجمعنا في أول لحظة علي أن الزعيم عبد الرسول النور هو الأنسب لذلك، وأذكر عندما ذكرنا ذلك للشيخ الياقوت أطال الله عمره، كان رده “تلقوا وين أحسن من عبد الرسول”
وأذكر عندما حدثني إبننا القائد الجسور الفريق أول ركن شمس الدين كباشي عن نيته زيارة ولاية غرب كردفان، اقترحت عليه أن يضم الزعيم عبد الرسول إلى وفده، فاتصلت بأخي الحبيب الزعيم، واعطيته الفريق كباشي وجه له الدعوة، فاستحسن الإتصال، وقبل الدعوة بحماس، فلما جاء يوم السفر كان الزعيم يوجد في مشروعه الزراعي في “الجبلين” ببحر أبيض، فما كان منه إلا وأن شد رحاله، وسافر إلى الفولة بسيارته الخاصة ليكون علي رأس مستقبلي عضو مجلس السيادة الهمام الفريق أول ركن شمس الدين كباشي، ولما عاد الكباشي من رحلة غرب كردفان قال لي ما كان يمكن أن يكون لهذه الزيارة معني لو لم يصحبه فيها الزعيم عبد الرسول. ومن تلك اللحظة نشأت علاقة حميمة بين الزعيم الراحل، وبين الفريق الهمام، ولذلك عندما جاء الكباشي إلى زيارتنا في بيتنا في الحتانة، وتلك الزيارة المشهورة، كان الزعيم الحبيب علي رأس مستقبليه، ولما زعم المضللون أن الجمع كان اجتماعا سياسيا، قدم الزعيم شهادة قوية ابطلت كل افتراءاتهم.
أما علي مستوي الخاص، فكان أخي الزعيم يشكل حضورا جميلا وأنيقا وكريما في كل افراحنا واتراحنا، ويوم الخميس السابق لوفاته كان قد أكد لي مشاركتنا يوم الجمعة افراحنا بزواج إبننا المهندس حسين خليفة، نجل شقيقتنا الراحلة المقيمة الأستاذة أم سلمة عزالدين النور عنقرة “ست أم سلمة” واتفقنا أن يكون الزعيم وكيل العريس، وكانت الفاجعة أن أتاني نبأ وفاته صباح الجمعة له الرحمة والمغفرة.
ولما فكرنا يوم أمس الأول في صحيفتنا “جسور” في تنظيم لقاء تفاكري لأصحاب المبادرات الوطنية الساعية لوجود حلول وطنية للأزمة السياسية الراهنة، لتنسيق جهودهم، وتقريب أفكارهم افتقدت كثيرا الزعيم الحبيب الحاكم الحكيم الراحل المقيم عبد الرسول النور، وليس لما بيني وبينه من اواصر وصلات، لكنني لم أجد من يماثله في الحكمة، وحسن التدبير، وجميل الخطاب، وأفضل ما في عبد الرسول أنه مهما تباعدت المسافات بين الناس، لا يبعد عن أي منهم، ولعل المثال الأقوي في ذلك الخلاف الذي وقع بين السيدين الإمام الراحل السيد الصادق المهدي، والسيد مبارك الفاضل المهدي، وكانت تجمع بين عبد الرسول والسيدين وشائج قوية، ولقد اشفق كثيرون عليه من هذا الموقف الحرج، ولكن بحكمة عبد الرسول من بعد فضل الله تعالى، تجاوزها تماما، وحافظ علي وده ووصله وتواصله مع الجميع، وعلا مقامه عند الناس كلهم أجمعين.
وفقدي اليوم لأخي الزعيم ليس فقدا شخصيا فقط، ولكنه فقد وطن وشعب، وبلد، فما احوجنا اليوم إلى حكمة وحنكة الزعيم الحاكم الحكيم، له الرحمة والمغفرة، نسأل الله أن يجزيه عنا وعن الوطن جميعا خير الجزاء، فلقد أعطي ولم يبق شيئا، نسأل الله أن يعطيه أفضل مما أعطي، ويجعل البركة في عقبه وأهله واحبابه، ويخلف لنا بابرك منه.