
عقار ومحمد محمد خير .. مراجعات لأجل الوطن
تأملات
جمال عنقرة
سعدت كثيرا بالتسجيل الاخير لصديقنا الأستاذ محمد محمد خير الذي تحدث فيه عن انطباعاته للقائه برئيس مجلس السيادة الفريق اول ركن عبد الفتاح البرهان قبل يومين في العاصمة الإدارية الجديدة للسودان، ثغر بلدنا الواعد بورتسودان، وبعث من خلاله عدة رسائل للسيد البرهان، أولها واقواها، وأهمها ترشيحه للسيد مالك عقار رئيسا للحكومة التي بشر البرهان بتشكيلها لقيادة البلاد خلال مرحلة التاسيس المقبلة، وهذا كان مبعث السعادة الأول.
لم أسعد لأن ترشيخ اخي محمد محمد خير تطابق مع ما قلت به منذ فترة، فهناك حالة إجماع نادرة بين السودانيين علي أن الملك عقار هو رجل المرحلة بلا منازع، ولكن اسعدني أن يأتي الترشيح في هذا الوقت من صديقي محمد محمد خير الذي صار يمثل حالة تستحق أن يكون عليها كل سوداني وطني، حالة مراجعات وطنية قوية صادقة وشفافة، ويحضرني في هذه اللحظة مشهد كنت قد كتبت عنه في حينه، يوم أن أقام السيد هشام السوباط دعوة غداء علي شرف مجموعة من الصحفيين والاعلاميين في مزرعته الساحرة في منطقة احمد عرابي بالعاصمة المصرية القاهرة، فلما تحدث محمد محمد خير ذكر انه في عام ١٩٩٠م، بدايات عهد الإنقاذ لم يكن يعرف أحدا من الاسلاميين غير جمال عنقرة، وانه يريد في تلك اللحظة أن يسجل اعترافا واعتذارا مطلوبا، علي موقف لم ينسه، ففي يوم من تلك الايام التقي جمال عنقرة في القاهرة، وكان علي بعد مترين منه، فنظر إليه دون أن يسلم عليه، فلم يستطع محمد إكمال الحديث، أخذته عبرة، وسقطت منه دمعة، كانت الدمعة الاعز في حياتي، ليس لما تحمله من معاني الإعتذار التي لم أكن اصلا في حاجة لها، ولكن لما احتشدت به من معاني الوطنية والانتماء، ولما تمثله من مراجعات صادقة لأجل الوطن نحتاجها جميعا، من أجل أن نبني وطنا جديدا نمسح ونكسح فيه كل عاهات وعلل الماضي التي اوردتنا المهالك.
ملك عقار هو مالك وملك المراجعات الوطنية الصادقة، وتحضرني في هذه اللحظة أيضا جلسة معه كان قد نظمها الاتحاد العام للصحفيين السودانيين في بيت السفير السوداني في المعادي المصرية عقب اختياره نائبا لرئيس مجلس السيادة في محل المتمرد حميدتي، وكان ذلك في اليوم السابع من شهر أغسطس العام الماضي ٢٠٢٣م، ومن تلك الجلسة قذفت بكل شباك رهاني في بحور الرجل التي تحمل آمالنا واحلامنا جميعا، وفي تلك الجلسة قدم عقار جملة من المراجعات لا ينهض الوطن إلا بها،
أولها حدد من هو العدو الذي يجب أن يتوحد السودانيون جميعا لمواجهته، وسماه الدعم السريع، وقال إن المعركة مع الدعم السريع هي معركة كل السودانيين، ولا مجال للحياد، ناهيك عن موالاة المتمردين المعتدين البغاة النهابين المغتصبين، وقال كل محاولات الحل الخارجي لأزمة مفخخة، وملغومة، واصحابها طامعون في خيرات السودان، وبعضهم ساعون لاستعماره، وأن الحل يكمن في حوار سوداني سوداني شامل لا يستثني أحدا، وسمي تحديدا المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، وفعل ذلك عندما كانت تميمة “ما عدا المؤتمر الوطني” هي السائدة،
وعندما كان الناس يتحدثون عن فترة انتقالية، طرح السيد عقار مشروع مرحلة التاسيس التي توضع فيها الأسس لبناء دولة جديدة ناهضة، دولة المواطنة، يتساوي فيها الناس في الحقوق والواجبات، دولة العدل والحرية والسلام، تقودها كفاءات وطنية غير حزبية، وحسنا فعل السيد البرهان عندما قال لصديقنا محمد محمد خير انه ينوي تشكيل حكومة لقيادة مرحلة التاسيس من كفاءات وطنية غير حزبية.
واقول في الختام أنني أقف معك اخي محمد محمد خير في ما ذهبت إليه من ترشيح للسيد عقار لرئاسة حكومة التاسيس، وازيد علي ذلك، بالسعي بين أولاده وأهل بيته وأسرته، اطلب منهم مزيدا من التضحية، بالتمديد للسيد عقار، والسماح له بمواصلة مشواره في خدمة الوطن قيادة لحكومة التأسيس، والسيد عقار ليس مطلوبا فقط لقيادة الجهاز التنفيذي، فقبل ذلك هو مطلوب لقيادة المراجعات المهمة، ومداواة علل التفكير السوداني المستاصلة التي تمثل السبب الأساس في ما نحن فيه من تخلف.