
عندما يكون صوتُ المغني نذير شؤم.. واللحنُ رصاص.. ونغمُ الأوتارِ صوت بواكي ٠٠٠٠
في الوقت الذي كان فيه العالم الإسلامي يحتفل بقدسية عيد الأضحى المبارك، ويستلهم فيه المؤمنون قيم التضحية والفداء، كانت أيادٍ آثمة وضمائر ميتة تجسد أبشع صور الوحشية البشرية، لتعيد رسم ملامح الجحيم في قرى (المرة، والصنوبر، وأم سعدون الشريف) بإدارية الحاج اللين في محلية غرب بارا. لقد اختارت مليشيا الدعم السريع، في غدرٍ لا يُستغرب على نهجها، أن تلطخ ثوب العيد بدماء الأبرياء العزل، في عملية استباحة مكتملة الأركان، كشفت مرة أخرى عن الوجه القبيح لمشروعٍ لا يعتاش إلا على الدماء، ولا يقتات إلا على أنين الثكالى وترويع الأطفال.
إن ما جرى في غرب بارا ليس مجرد هجوم عسكري، بل هو إعلان صريح عن إفلاس أخلاقي وقيمي لهذه المليشيا التي أثبتت أنها لا تجيد سوى استضعاف العزل وقتل الآمنين في ديارهم. إن هؤلاء الرجال والنساء الذين واجهوا الموت بصدور كانوا حراساً للأرض والكرامة، يدفعون اليوم ثمن صمودهم أمام غطرسةٍ لم تشهد لها بلادنا مثيلاً.
أمام هذه الدماء المسفوحة، نقف لنطرح أسئلة التاريخ التي ستظل تطارد كل من تواطأ أو صمت:
أين الضمير العالمي الذي يتباكى على حقوق الإنسان من معاناة أهلنا في غرب بارا؟ وأين أولئك الذين انخرطوا في كرنفالات الرقص والمجون على مسارح الإمارات، يتغنون بشعارات زائفة عن الديمقراطية والازدهار، بينما كانت خناجر رعاتهم تغرس في صدور أبناء دار حامد؟ هل هذه هي الديمقراطية وهل هذا هو الحب الذي تغنيتم من اجله في الإمارات التي أرادت تصديرها لنا؟ وهل كان قتل حفظة القرآن وإبادة القرى الآمنة هو الفردوس الموعود الذي روج له أولئك الأجراء؟
أما أنتم، يا من اتخذتم من مهرجانات الإمارات منصاتٍ للرقص على جراح شعبكم، ويا من بعتم ضمائركم في مزادات الخيانة والعمالة، فاعلموا أن التاريخ لا يرحم، وأن دماء أهلنا في غرب بارا قد عرّت زيف شعاراتكم وكشفت حقيقة أدواركم. لقد قبضتم أثماناً بخسةً من دماء العزل والأبرياء، وتقاضيتم مقابل خيانتكم وعمالتكم ثمناً مدفوعاً من رصيد أمن واستقرار الوطن. إنّ رقصتكم الماجنة تلك، بينما كانت أيادي المليشيا المرتزقة تزهق أرواح حفظة القرآن وتستبيح القرى، لم تكن سوى إعلانٍ رسميٍ عن سقوطكم الأخلاقي في مستنقع الارتزاق. لقد قبضتم ثمن القتل، ووقّعتم بصماتكم على صكوك العمالة بدماء أبناء جلدتكم، فأيُّ عارٍ هذا الذي ترتدونه؟ وأيُّ غدٍ تنتظرونه بعد أن بعتم الوطن في سوق النخاسة السياسية، وصارت أرواح الأبرياء بضاعةً في مزادِ جلّادكم؟
إنّ دماء الشهداء في المرة والصنوبر وأم سعدون الشريف لن تذهب هدراً، وهي نارٌ ستكتوي بها أطراف المؤامرة ومن خلفهم. لقد ظنت هذه المليشيا المارقة أنها ببطشها ستكسر إرادة شعبنا، لكنها لم تزدنا إلا يقيناً بأن معركتنا مع هؤلاء هي معركة بقاء ووجود. إنّ استباحة غرب بارا لم تكن سوى كشفٍ جديدٍ لمخطط إجرامي أكبر، لكن هيهات أن تنالوا من عزم رجالٍ لا يعرفون الانكسار.
ستبقى مجزرة غرب بارا شاهدةً على خيانة العملاء، ووحشية القتلة، وستظل دماء الشهداء لعنةً تلاحق كل من خطط ودعم ورقص على أشلاء السودانيين. إن العدالة، وإن تأخرت، فهي آتية، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
المجد والخلود للشهداء.. والخزي والعار للخونة والقتلة.
حسن الدنقلاوي