
قرار مجلس الوزراء السوداني بتبعية الهيئات الإعلامية الولائية للهيئة القومية: المكاسب والإشكالات.
د. حيدر البدري.. يكتب في نقطة سطر جديد.
في أكتوبر 2024، أصدر مجلس الوزراء السوداني قراراً تاريخياً بإجازة الهيكل التنظيمي والوظيفي لهيئات الإذاعة والتلفزيون الولائية، وربطها بالهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون القومي. يأتي هذا القرار في ظل ظروف استثنائية يعيشها السودان، حيث تشهد البلاد حالة من التحول السياسي والاقتصادي والأمني، مما يضع على عاتق الإعلام مسؤوليات جسام في ترسيخ الوحدة الوطنية وبناء السلام.، رأينا حينها عدم التعليق على القرار حتى نرى تبعاته على كافة الأصعدة ونقوم بدراسة جوانبه كلها.
في هذه العجالة سأدلف إلى تحليل هذا القرار بشكل نقدي، مع التركيز على جوانبه التنظيمية والوظيفية، ومدى ملاءمته للواقع الإعلامي في السودان، خاصة فيما يتعلق بهيئة إذاعة وتلفزيون الخرطوم والتي اعمل بها موظفاً، ومن قادتها الأساسيين لأكثر من خمس وعشرين عاما.
حسناً..
فقد أصدر وزير شؤون مجلس الوزراء المكلف عثمان حسين عثمان قراراً يحدد اختصاصات هيئات الإذاعة والتلفزيون الولائية وفقاً لمهامها التي تصب في توجيهات الدولة. ينص القرار على أن هذه الهيئات يجب أن تركز على الرسالة الإعلامية ونشر الوعي بالهوية السودانية وتعزيز الثقافة الوطنية عبر الوسائل المسموعة والمرئية والمقروءة داخلياً وخارجياً. كما يؤكد على تبعية هذه الهيئات للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون القومية، مما يعني إدماجها في هيكل مركزي موحد.
وجه القرار عدة وزارات وهيئات باتخاذ إجراءات تنفيذه، وهي :
– وزارة الثقافة والإعلام
– وزارة الحكم الاتحادي
– وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي
– وزارة العمل والإصلاح الإداري
– الجهات المعنية الأخرى
هذا التوجيه يهدف إلى ضمان تكامل الجهود المؤسسية لتحقيق أهداف القرار.
غير أنني لدي ملاحظات على القرار وتلمست بعض نقاط الضعف فيه، فالقرار بصيغته هذه به إشكاليات هيكلية وتنفيذية فعلى الرغم من المزايا النظرية للقرار، إلا أن هناك عدة نقاط ضعف يمكن ملاحظتها فقد جاء القرار بشكل إداري مجملاً وبلا تفصيل أو مذكرة تفسيرية مدمجة.، غير انه مثل هذه القرارات المفصلية والتي يحكمها القانون تحتاج إلى توضيح وبيان وتفسير كل كلمة من القرار، هذا جانب، من زاوية أخرى فإن هذا القرار يثبت مفهوم المركزية المفرطة إذ أن تبعية الهيئات الولائية للهيئة القومية قد تقيد الاستقلالية الإبداعية والمحتوى المحلي الذي يراعي الخصوصيات الإقليمية.
هذا مع تعقيد الإجراءات الإدارية فمن خلال ما ورد عن اجتماع الوزير مع ممثلي الهيئات الولائية، ستكون هناك وبموجب هذا القرار مشاكل في بطء الإجراءات وضعف المتابعة، حيث أن التبعية الإدارية والمالية تتطلب موافقات متعددة من مستويات مركزية.
هذا زيادة على الإشكالية التمويلية فحتما ستكون هناك صعوبات في تطبيق الزيادات والبدلات بحجة عدم اعتماد الهيئات في الفصل الأول من الميزانية، مما يؤثر على الحافز الوظيفي للعاملين في هذه الهيئات.
ومن أكبر التحديات التنظيمية في هذا القرار غياب الوضوح القانوني فالقرار لم يحدد بشكل واضح آليات حل التنازع بين الاختصاصات الولائية والاختصاصات القومية، مما قد يؤدي إلى تناقض في التوجيهات والسياسات الإعلامية.
والقرار بشكله هذا قد يسهم في ضعف آليات المتابع فكما أشار وكيل وزارة الثقافة والإعلام ، فإن القرارات الصادرة تتطلب متابعة لصيقة من الهيئة العامة والهيئات الولائية، ولكن لا توجد آلية محددة للمتابعة والتقييم.
…
اما بخصوص هيئة إذاعة وتلفزيون الخرطوم، فإنها تعتبر من أهم الهيئات الإعلامية في السودان وذلك ل :
الموقع الجغرافي : تغطية العاصمة الخرطوم، التي تعتبر المركز السياسي والإداري للبلاد.
الجمهور المستهدف : تصل إلى شريحة كبيرة ومتنوعة من السكان، و صناع القرار والنخب الثقافية.
وقد أكد الدكتور يوسف محمد علي الناير ، المدير العام للهيئة، أنهم أكملوا استعداداتهم الفنية والإدارية لإعادة البث من موقع الهيئة بشارع النيل بأمدرمان بعد توقف دام منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل. وقد بذلت الهيئة جهوداً علمية كبيرة لتحديد المعايير الهندسية لأجهزة البث الفضائي، كما عاد البث عبر الموجة FM107.1 للمستمعين في الخرطوم، وعبر القمر الصناعي نايل سات (تردد 12688) للمشاهدين في العالم.والهيئة كما هو معلوم تهدف إلى تقديم محتوى إعلامي جاذب ومؤثر ، يركز على:
المصداقية والشفافية كما طالب والي الخرطوم أحمد عثمان حمز ة الذي أشاد بالجهود المبذولة لإعادة البث.من مبنى الهيئة بجهد الهيئة المشكور في دعم الوحدة الوطنية ونبذ الخطاب القبلي والجهوي، خاصة في ظل الظروف الراهنة..
إذن لننظر الي مدى ملائمة القرار لهيئة إذاعة وتلفزيون الخرطوم، لاشك أن هنالك جوانب إيجابية للقرار، ففي مجال الدعم الفني والتدريب يمكن أن تستفيد الهيئة من الخبرات التقنية والبرامجية للهيئة القومية، مما يساعدها في تخطي التحديات التقنية التي تواجهها بعد التوقف الطويل.
هذا بجانب التمويل المركزي : إذا تم تضمين رواتب العاملين في الهيئة في الفصل الأول من الميزانية، كما وعد الوزير، فإن ذلك سيضمن استقراراً مالياً للهيئة.
وهذا حسن.. لكن علينا الاحتراز من الجوانب السلبية للقرار فالتبعية الإدارية قد تؤثر على المرونة الإدارية للهيئة في اتخاذ القرارات السريعة المناسبة لظروف العاصمة المتغيرة بسرعة. ثم إن الخصوصية المحلية تصبح مهددة، فهناك خطر من تطبيق سياسات موحدة لا تراعي خصوصية العاصمة الخرطوم، التي تختلف عن الولايات الأخرى من حيث التركيبة الديمغرافية والتحديات الأمنية.
عليه فإنني كباحث ومزاول لهذا النشاط الاعلامي أتقدم بالتوصيات التالية :
توصيات على المستوى التنظيمي:
١. اللامركزية المشروط : منح الهيئات الولائية، خاصة هيئة الخرطوم، درجة من الاستقلالية الإدارية والمالية التي تمكنها من اتخاذ القرارات المناسبة لظروفها الخاصة، مع التنسيق مع الهيئة القومية في السياسات العامة.
٢. آليات متابعة فعالة: إنشاء وحدة متابعة خاصة مع الهيئة القومية لمتابعة تنفيذ القرار وحل المشكلات التي تواجه الهيئات الولائية، خاصة في الجوانب المالية والإدارية.
اما على المستوى الفني والبرامجية فني أنى اوصي ب:
١. دعم البنية التحتية : توفير الدعم التقني والمالي للهيئات الولائية، خاصة هيئة الخرطوم، لتطوير أجهزة البث والتغطية الإعلامية لتصل إلى أكبر شريحة ممكنة من الجمهور.
٢. برامج بناء القدرات: تنظيم دورات تدريبية للعاملين في الهيئات الولائية بالتعاون مع الهيئة القومية لرفع الكفاءات المهنية والتقنية.
٣. وضع مذكرة تفسيرية يضعها خبراء ومتخصصون من الإعلاميين و أساتذة الجامعات و القانونيين مع أخذ رأي ومراجعة قادة هذه الهيئات.
…..
إن قرار مجلس الوزراء السوداني بتبعية الهيئات الإعلامية الولائية للهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون يمثل خطوة مهمة لأجل توحيد السياسات الإعلامية و تعزيز الهوية السودانية الموحدة. ومع ذلك، فإن التطبيق العملي لهذا القرار يواجه تحديات جسيمة خاصة في الجوانب المالية والإدارية وفي مدى مراعاته للخصوصيات المحلية. وفي حالة هيئة إذاعة وتلفزيون الخرطوم، فإن النجاح في تحقيق أهداف القرار يتطلب مرونة كافية تسمح للهيئة بأداء دورها الإعلامي في العاصمة بفعالية، مع الاستفادة من الدعم المركزي. فقط من خلال موازنة بين المركزية واللامركزية و يمكن أن يكون هذا القرار أداة دفع لعجلة التنمية الإعلامية في السودان، وليس عائقاً أمامها.
نقطة سطر جديد