
بريق أمل
هنادي عوض بشير
انتهت الحرب، أو هكذا نأمل، لكن بعض الحروب لا تنتهي بخروج آخر رصاصة من فوهة البندقية. هناك حروب تتركها المعارك خلفها، تمشي على قدمين، وتنام على الأرصفة، وتبحث عن لقمة عيش بين أكوام الأسواق وضجيج المواصلات.
إنهم المشردون.
رجال ونساء وأطفال، بعضهم فقد منزله، وبعضهم فقد أسرته، وبعضهم فقد القدرة على العودة إلى حياة طبيعية بعد سنوات من الحرب والنزوح والفقر. وجوه متعبة، وملابس بالية، وأجساد أنهكها الشارع، وأعين تبحث عن شيء أكبر من الطعام: تبحث عن الأمان والانتماء والكرامة.
لكن المشهد، رغم بعده الإنساني المؤلم، بدأ يأخذ أبعادًا أخرى لا يمكن للدولة أن تتجاهلها.
فحين تتزايد أعداد الذين يفترشون الأسواق والطرقات، وحين يصبح الشارع مأوى للأطفال والنساء والمرضى النفسيين وكبار السن، فإننا لا نكون أمام مشكلة اجتماعية فحسب، وإنما أمام أزمة مركبة لها أبعاد أمنية وصحية وإنسانية واقتصادية.
وهنا السؤال:
أين الدولة؟
أين وزارة الداخلية وأجهزة أمن المجتمع؟ وأين وزارة الرعاية والتنمية الاجتماعية؟ وأين السلطات المحلية؟ وأين المؤسسات الصحية والمنظمات التي يفترض أن تتعامل مع مثل هذه الأزمات؟
هل يكفي أن نرى المشهد كل صباح، ثم نمضي إلى أعمالنا وكأن شيئًا لم يحدث؟
هل يكفي أن نُبعد هؤلاء من سوق إلى آخر، ومن شارع إلى شارع، ثم نعلن أننا عالجنا المشكلة؟
بالطبع لا.
لأنك حين تطرد إنسانًا من رصيف دون أن توفر له مأوى، فأنت لم تعالج المشكلة؛ أنت فقط نقلتها إلى رصيف آخر.
وحين تجمع أطفال الشوارع في حملة مؤقتة ثم تعيدهم إلى البيئة نفسها التي دفعتهم إلى الشارع، فأنت لا تنقذهم، بل تؤجل الأزمة.
المطلوب أكبر من ذلك بكثير.
نحن بحاجة إلى خطة وطنية للتعامل مع آثار الحرب الاجتماعية، يكون التشرد أحد ملفاتها الأساسية. خطة تبدأ بحصر الأعداد، ومعرفة الحالات، والتمييز بين الطفل المشرد، والمسن، والمريض النفسي، والأسرة النازحة، والشخص الذي فقد مصدر دخله، ثم تقديم الحل المناسب لكل حالة.
نحتاج إلى مراكز إيواء تحفظ الكرامة قبل أن توفر السقف.
نحتاج إلى رعاية صحية ونفسية.
نحتاج إلى حماية الأطفال من الاستغلال والتسول والجريمة.
نحتاج إلى إعادة ربط من يمكن ربطه بأسرته.
ونحتاج إلى التدريب والتأهيل وفرص العمل لمن يستطيع أن يبدأ حياته من جديد.
وفي الوقت نفسه، لا بد من حماية الأسواق والأحياء والفضاءات العامة من الجريمة والاستغلال والمخدرات والعنف.
وهنا لا بد من قول الحقيقة كاملة:
المشرد ليس مجرمًا بالضرورة، كما أن تجاهل المخاطر المرتبطة بترك أعداد كبيرة من البشر بلا مأوى أو رعاية ليس موقفًا إنسانيًا.
الإنسانية الحقيقية لا تكون بترك الضحية في الشارع، كما أن حماية المجتمع لا تكون بتحويل الضحية إلى متهم.
المعادلة بسيطة:
احمِ الإنسان، واحمِ المجتمع في الوقت نفسه.
لكن يبدو أننا في السودان لا نتحرك إلا عندما تتحول المشكلة إلى كارثة.
ننتظر حتى تمتلئ الشوارع، ثم نسأل: من المسؤول؟
ننتظر حتى يتعرض الأطفال للاستغلال، ثم نسأل: أين كانت الدولة؟
ننتظر حتى تنتشر الجريمة، ثم نبحث عن الأسباب.
ننتظر حتى يصبح الأمر أزمة أمنية، بينما كان يمكن التعامل معه منذ البداية باعتباره أزمة إنسانية واجتماعية.
الحرب خلفت لنا مدنًا مدمرة، ومنازل مهدمة، وأسرًا مفككة، وملايين النازحين، وفقرًا وبطالة وخوفًا متراكمًا.
فهل نتوقع أن تنتهي آثار كل ذلك بمجرد توقف إطلاق النار؟
بالطبع لا.
الحرب قد تتوقف في الميدان، لكنها تستمر في المجتمع لسنوات.
ولهذا فإن معركة ما بعد الحرب ليست معركة إعادة بناء الحجر فقط، وإنما معركة إعادة بناء الإنسان.
والدولة التي تريد أن تقول إنها انتصرت على الحرب، عليها أن تثبت ذلك في الشارع.
أن تعيد الطفل إلى المدرسة.
أن تعيد الأسرة إلى المأوى.
أن تعالج المريض.
أن تحمي المرأة.
أن تمنح القادر على العمل فرصة للعمل.
وأن تجعل المواطن يشعر أن الدولة عادت لتراه، وتحميه، وتسمع صوته.
أما أن نترك إنسانًا ينام على الرصيف، ثم نتساءل بعد سنوات لماذا تحولت الأسواق إلى بؤر للجريمة والفوضى، فذلك ليس إدارة للأزمة، بل صناعة لها.
القنابل الموقوتة لا تأتي دائمًا على شكل متفجرات.
أحيانًا تكون طفلًا ينام على الرصيف.
وأحيانًا تكون شابًا فقد أسرته وعمله وأمله.
وأحيانًا تكون أسرة نزحت من بيتها ولم تجد بيتًا آخر.
والمجتمع الذكي هو الذي يطفئ الفتيل قبل الانفجار.
فهل تتحرك مؤسسات الدولة الآن؟
أم سنظل ننتظر حتى يصبح الرصيف هو المدرسة، والسوق هو المأوى، والشارع هو الوطن البديل؟
السودان بعد الحرب يحتاج إلى أن يعيد بناء مدنه، نعم، لكنه قبل ذلك يحتاج إلى أن يعيد بناء الإنسان الذي أنهكته الحرب.
فلا تجعلوا من شوارعنا مأوى لمن فقدوا الوطن داخل الوطن.
ولا تجعلوا من تجاهل الأزمة سببًا في صناعة أزمة أكبر.
تحركوا قبل أن يصبح ما نراه اليوم في الأسواق والطرقات قنبلة موقوتة يصعب تفكيكها غدًا.