مقالات

كبرى شمبات (تم إنشاؤه في أربعة سنوات ودمروه في دقيقتين)

يوميات محمد فرح عبد الكريم

جسر شمبات أو كُبري شمبات الذى تم إنشاءه في عهد حكومة الفريق إبراهيم عبود، بعد أن قام الجنرال عبد الله خليل أنذاك وهو رئيس الوزراء بتسليمه السلطة في 17 نوفمبر 1958م حتي 1964م.
ويعتبر فكرة إنشاء هذا الكبري جزء من إنجازاتها العظيمة، وقد طرح في مناقصة دولية تقدمت بها عدة شركات ولتفوق الإيطاليين في فن العمارة والبناء وقتذاك فازت شركة ريتشي الإيطالية بالعطاء لتنفيذ الجسر وتم توقيع العقد وبدأ العمل فعلياً في العام 1962م وقام بوضع حجر الأساس الرئيس إبراهيم عبود وتم تدشينه رسمياً في العام 1965م في فترة الديمقراطية الثانية حيث بلغ طوله 1050 متر وعرضه 236 متر وهو يقف علي ثمانية ركائز خرسانية وحديد صلب.
شخصياً عاصرتُ تلك الفترة، وكنتُ شاهداً على تأسيس هذا الصرح فى بداية الستينات عندما ألتحقنا بالمدرسة الأهلية الوسطى، التى تقع عند مدخل الكبري من ناحية أمدرمان، وما أدراك ما هذه المدرسة الفريدة التي لها تاريخ زاخر وخرجت أجيال وأجيال.
وإن شاء الله (في عمود يوميات) آخر نتحدث عن عراقتها وتاريخها.
عندما بدأ العمل بهذا الكبري كُنا في عطلة المدرسة حوالى إسبوعين وعندما عدنا بعد الإجازة وجدنا بأن جزءاً من الناحية الشمالية من المدرسة قد تمت إزالته بالكامل لأعمال فنية وهى الجهة المقابلة لمنزل الزعيم إسماعيل الأزهرى وقد تأثر مخزن الأدوات والمسرح الذى كان يقام عليه الإحتفالات والتمثليات.
وأذكر أن هذا المسرح قد إستضاف عرض مسرحية بامسيكا التي شاركتُ فيها والتي كانت بطلتها الممثلة الراحلة آسيا عبدالماجد والتي لقت مصرعها في أولى أيا هذه الحرب اللعينة وكانت تلك من الأعمال العظيمة لنا كطلاب بالمدرسة. وأيضا تم هدم جزء كبير من فناء المدرسة التي كانت تقام فيه الندوات الأدبية وكان الحضور اجبارى يوم الأربعاء من كل أسبوع. والتي كان الشاعر محى الدين فارس والشاعر الاستاذ محمد عبد القادر كرف والشاعر مصطفى سند هم أغلب متحدثي هذه الندوات.
حزننا كثيراً لتلك المساحة التي أُزيلت وعلمنا أن سبب الإزالة هو توسيع الشارع لإقامة كبري يربط بين أمدرمان وبحرى.
وكذلك تأثر ميدان الأهلية لكرة القدم وبعد إفتتاح الكبرى عرفنا أهميته وانتقلنا للمرحلة الثانوية وقمنا برحلات كثيرة لمنطقة مزارع شمبات الوادعة المثمرة والتي كانت عادة أهل أمدرمان انذاك في أغلب رحلاتهم الترفيهية والعطلات التي يقضونها بشمبات. فقبل إقامة الكبرى كانت هناك مشقة بالمعدية من خور أبو عنجة بأمدرمان بالمراكب، كما أن بحرى بعد الافتتاح وخاصة منطقة المظلات وما جاورها شُيدت بها مباني فارهة وأصبحت أرقى من الخرطوم وإمدرمان كمناطق سكنية وصارت مقولة (الشغل في الخرطوم والونسة والاجتماعات بأمدرمان والسكن بحرى) وتغير اسمها من ضواحي بحرى الى مدينة بحري.
فمن طرائف لاعب المريخ كمال سينا وأحد ظرفاء أمدرمان عن كبري شمبات وهو جالس مع شلة من ودنوباوى حيث سألتهم إمرأة كبيرة في السن (يا ولادى دايرة واحد اسمه عثمان سرالختم الميرغني) رد سينا شوفي يا خالة ودنوباوى الأسماء الفيها الهادى والصديق وعبد الرحمن والمهدى قال ليها تركبي البص وتقطعي الكبري الجديد شمبات وتنزلي بعد الكبري بتلقى إسم عثمان سرالختم الميرغني ببحري.
أخيراً أحزنني دمار جسر شاهدتُ إنشاءه وشموخه وصموده طوال تلك السنوات وأخرُ الأمر نسأل الله العلي القدير أن يحفظ باقي الجسور من الدمار وأن تنتهي هذه الحرب اليوم قبل (بكرة) وتعود الخرطوم وامدرمان وبحري وبكل العاصمة بضواحيها وأطرافها وحواليها لإحسن مما كانت عليه ويعود السلام والأمن والرخاء والعافية لكل السودانيين بالخارج والداخل ويشفي المرضى والمصابين ويغفر ويرحم الشهداء ويولى من يصلح حال العباد والبلاد والله الموفق والمستعان.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى