
بريق أمل
هنادي عوض بشير
عُرِفت الشخصية السودانية عبر التاريخ بأنها شخصية الكرم والمروءة والترحاب.
السودان بلدٌ يتّسع للجميع، يشهد بذلك سجله الإنساني في أحلك الظروف؛ فعندما اشتعلت الحرب في سوريا، فتح السودان أبوابه على مصراعيها للنازحين، ومنحهم الأمان والمساحة للعيش بطمأنينة. وعندما اشتدت الحرب في اليمن، استقبلت المستشفيات السودانية الجرحى وقدّمت لهم العلاج دون تردد أو تمييز.
أما بعض الجاليات المجاورة، بما في ذلك مواطنو جنوب السودان، فقد اختلط وجودهم في العاصمة مع نسيج الحياة اليومية إلى حدّ باتت معه بعض الأحياء تكتظ بسكان متعددي الجنسيات. السودان لم يغلق قلبه يومًا أمام أي وافد، لكنه اليوم يواجه تحديًا عندما يتحول هذا التواجد — بغالبيته غير المقنن — إلى مصدر فوضى وضغط على الخدمات.
هذا الوجود الأجنبي غير الشرعي خلق حالة من الاضطراب، وفتح الباب أمام فوضى أثرت على الأمن، وتسببت في ضغط كبير على الخدمات العامة، ورفعت معدلات الجريمة، ومزّقت جزءًا من النسيج الاجتماعي.
ثم جاءت الحرب التي شنتها مليشيات الدعم السريع على العاصمة، فاستُبيحت الأرواح والممتلكات والبنية التحتية، وتحوّلت أحياء الخرطوم إلى حطام ودمار. وقد أشارت تقارير إلى تورط بعض العناصر الأجنبية غير المقننة في جزء من تلك الفوضى، مما جعل الدولة تدرك أن مرحلة التساهل قد انتهت، وأن أمن البلاد لا يُحفظ إلا بتنظيم وجود كل من يعيش داخلها.
وفي هذا السياق، تُهيب لجنة تفريغ العاصمة من اللاجئين والأجانب غير الشرعيين بجميع المواطنين ضرورة حمل مستنداتهم الثبوتية بشكل دائم، مؤكدة أنها ستتخذ الإجراءات القانونية بحق أي مواطن يثبت تورطه في تشغيل أجنبي أو إيوائه أو تأجير عقار له بصورة مخالفة للقانون. وتشمل الدعوة جميع الأجانب المقيمين بصورة غير قانونية، بمن فيهم بعض المكوّنات من جنوب السودان التي تواجدت بكثافة في العاصمة.
وأوضحت اللجنة أن هذه الإجراءات تأتي في إطار التعامل الجاد مع التهديدات الأمنية الناتجة عن الوجود الأجنبي غير المقنن، وأنها ستباشر تطبيق كافة اللوائح القانونية دون تهاون، مع التأكيد على التزام الدولة باستضافة الأجانب المقننين وتقديم الخدمات لهم ضمن مسؤولياتها الاجتماعية والأمنية.
كما دعت اللجنة المواطنين إلى رفع مستوى الوعي بخطورة الوجود الأجنبي غير النظامي، لما له من تأثير مباشر على الجريمة والازدحام والضغط على الخدمات في العاصمة، داعيةً الأجانب المخالفين إلى المغادرة الطوعية، مشيرة إلى أن الحملات الضبطية القادمة لن تستثني أحدًا.
السودان بلد الكرم والضيافة لا يتراجع اليوم عن قيمه، لكنه فقط يضع الحدود التي تحميه وتحفظ أمنه. إعادة تنظيم العاصمة ليست ضربًا لطرف بعينه، بل محاولة لإعادة التوازن وحماية الأمن العام واستعادة الخدمات للمواطنين كافة.