تأملات

ليس دفاعا عن مصر .. ولكن!

تأملات
جمال عنقرة

بالطبع لا، ولن اتبرا من الدفاع عن مصر، ولكن مصر ليست في موضع اتهام حقيقي حتى ندافع عنها، ثم أن مصر لم ولن تكون عدوا للسودان كما يدعي البعض، وما أقول به يعتبر دفاعا عن السودان قبل أن يكون دفاع عن مصر، وكل ما يثيره خصوم مصر من السودانيين من اتهامات لمصر، هو في الأصل حرب ضد مصالح السودان والسودانيين، وهذا هو منطلقي في كتابة هذا المقال.
أذكر قبل نحو شهرين دخلت مكتب أحد المسؤولين المهمين في سفارة السودان بالقاهرة، ووجدت معه شاب سوداني في الأربعين من عمره تقريبا، يحكي معاناته في مصر، وكانت شكواه أن صاحب العمارة التي يمتلك فيها هذا الشاب السوداني شقتين يضطهده، ولا يعامله كما يعامل غيره من الملاك المصريين، وقال إن الحياة في مصر صارت لا تطاق، فسألني الدبلوماسي الذي كان يشكو له هذا الشاب عن نصيحتي له، فقلت له ما دامت الحياة في مصر صارت بالنسبة له لا تطاق، فخياره أما أن يرجع بلده، أو أن يذهب إلى بلد آخر الحياة فيه تطاق، وهنا انفعل الشاب وهاج، واعتبر نصيحتي له بالعودة إلى السودان، أو البحث عن بلد آخر، نصيحة تعجيزية، حيث أن السودان – علي حسب قوله – الحياة فيه صارت شبه مستحيلة، لا يوجد دخل يكفي ٢٠% من احتياجات الإنسان، ولا يوجد فيه أمن ولا أمان، أما بالنسبة للبحث عن دولة أخري، فقال إنه لا توجد دولة يمكن الدخول إليها بسهولة، والحياة فيها بلا تعقيد، وأضاف أن أبناءه تم قبولهم في المدارس في مصر، وحياتهم استقرت، وعلمت فيما بعد أن هذا الشاب كان يمتلك بيتا في حي شعبي من أحياء العاصمة، باعه واشتري بقيمته شقتين في القاهرة، يعيش في واحدة، ويعيش علي الثانية من إيجارها مفروشة.
ولكم أن تلاحظوا المفارقات في حديث الشاب، الذي استطاع بثمن بيت في حي شعبي من أحياء الخرطوم أن يشتري شقتين في العاصمة المصرية القاهرة، يعيش في واحدة ويعيش علي الأخري آمنا مطمئنا، أبناءه يتعلمون تعليما مستقرا، ويعيشون في أمان وسلام، ومع ذلك يقول أن الحياة في مصر لا تطاق، ومعياره في ذلك أن صاحب العمارة لايحترمه.
وبمناسبة صاحب العمارة، كان قد روج بعض المفترين لخبر كاذب، زعموا فيه أن مصر أصدرت قرارا يمنع نقل ملكية الشقة المملوكة لسوداني إلى ورثته إذا توفي، اذا لم يكن قد اشتراها بالدولار، وادعي بعضهم أنها لا تسجل أصلا في اسمه إذا لم يكن قد اشتراها بالدولار، وكلها اخبار كاذبة، ليس لها أساس من الصحة، والقرار المصري الخاص بالعقارات لا يهم السودانيين في شيء، ولا يهتمون به، وهو خاص بالاجانب الذين يرغبون في نيل الجنسية المصرية، ومعلوم أن السودانيين لا يحتاجون إلى نيل الجنسية المصرية، إذ أن حقوق السوداني في مصر مثل حقوق المصري تماما، هذا رغم عدم التطبيق الكامل للحريات الأربع، ومن المتوقع أن يكتمل تطبيقها قبل نهاية هذا العام بإذن الله تعالي.
أما ما يزعمه البعض بأن الإقتصاد المصري يعتمد بصفة أساسية علي المنتجات السودانية، فهو قول لا يدعمه منطق، وكل ما ينتج السودان، ويذهب إلى مصر، أو يذهب لغيرها لا يغطي ميزانية مصر لعشرة أيام، فهذا تضخيم غير موضوعي، مع أن تصدير المواد الخام إلى مصر، أو إلى غيرها ليس في مصلحة اقتصاد السودان، ولكن هذه مشكلة السودان الذي يعجز عن تصنيع منتجاته الزراعية، وثرواته الحيوانية، ومصر تشكر علي ما تستوعبه من منتجات زراعية سودانية، لأن كثير منها ليس لدينا طريق آخر لتصريفه غير مصر، مثل الإبل والماشية من الحيوانات، ومثل القطن لا سيما القطن المطري في النيل الأزرق والقضارف.
أما ما يثار في شأن التعليم العالي والعام، فهو أيضا تستحق مصر أن تشكر عليه، وكما هو معلوم فإن الجامعات المصرية تقبل الطالب السوداني ب ١٠% فقط من الرسوم الدراسية، لذلك صار الطلاب السودانيون يفضلون الجامعات المصرية علي الجامعات السودانية الخاصة، ويفضلونها أيضا علي القبول الخاص في الجامعات الحكومية، فالقبول في الجامعات المصرية أرخص بكثير جدا من الجامعات السودانية الخاصة، وهو أرخص أيضا من القبول الخاص في الجامعات الحكومية، وتمتاز الجامعات المصرية علي الجامعات السودانية بإستقرار الدراسة، وهذه الميزة الأخيرة جعلت كثيرين من الطلاب يتقدمون باستقالاتهم من الجامعات السودانية، ويلتحقون بالجامعات المصرية.
أما بالنسبة للتعليم العام فإن المدارس السودانية في مصر قاربت المائة وخمسين مدرسة، أكثرها مدارس خاصة، وهذا أمر تستحق أن تشكر عليه مصر أيضا، وليس لمصر أي مصلحة في هذه المدارس، وهي نشأت لمقابلة احتياجات السودانيين في مصر للتعليم، وقد بلغت اعدادهم الملايين، ولعلم الذين لا يعلمون أن مصر تتجاوز للمدارس السودانية كثير من الضوابط التي تفرضها علي المدارس المصرية، وكل ذلك لمصلحة السودانيين، وليس لمصر فيه مصالح كبيرة، وما لديها فيه مصالح، مصالحنا فيه أكبر منها، ولذلك أقول أن ما نقدمه من دفوع علي الاتهامات التي يصوبها البعض نحو مصر، هو دفاع عن مصالحنا نحن أهل السودان قبل مصالح مصر والمصريين.
والذي نرجوه ونتمناه، ونسعي لتحقيقه، هو أن تتكامل الجهود السودانية والمصرية لتعظيم الفائدة من خيرات البلدين الشقيقين، وهذا تحد يواجه الحكومتين في الخرطوم والقاهرة، والشعب هنا وهناك، لا سيما الذين يعملون في مجال الإستثمار الزراعي والصناعي، فعلي الحكومتين ان تعملا علي تشجيع قيام مشاريع مشتركة زراعية وصناعية تزيد من الإنتاج الزراعي في السودان، وتوقف تصدير الخام من السودان إلى مصر، والي غيرها من دول العالم الأخري.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى